الاثنين، 23 فبراير، 2009

23 فبراير 2009 - عرضحال الوطن


عرضحال.. الوطن..!!


البروفسير محمد شاكر السراج.. اسم معروف في العمل العام... فقد كان نقيبا لأطباء السودان.. ثم ممثلا للسودان في منظمة الصحة العالمية.. وتولى منصب عميد كلية الطب بجامعة جوبا.. وتولى منصب وزير الصحة الاتحادي.. وعضوا في البرلمان.. وآخر منصب تولاه عميد كلية الصحة بالخرطوم..
خلال هذه السيرة المهنية الطويلة.. لم يكن مجرد "موظف دولة" محفوف ببروتوكولات الخدمة المدنية العتيقة.. بل كان "إنسان" بمعنى الكلمة الحرفي والمجازي.. محمول على أخلاقيات مهنية نادرة المثال.. يفني ذاته في سبيل وطنه ومواطنيه.. كان يتعفف حتى عن نثريات السفر التي تمنح لكل موظفي الدولة.. فعرف عنه أنه كان يرد للخزينة العامة ما يفيض عن حاجته خلال السفر.. كان يقضي مهامه الرسمية بأقل ما تيسر من نفقات ثم يرجع بقية النثريات الى الخزينة العامة على مفهوم أنها (أموال الشعب) التي لا يجب أن تنفق على أي مصالح شخصية خارج مصروفات المأمورية..
حتى قبل أسابيع قليلة كان شاكر السراج مرتبطا بالوظيفة العامة ويحاضر في طلابه.. وينهك جسده بالسهر في (تصحيح) أوراق الامتحانات المتراكبة على كثرتها وكثرة الطلاب..لكنه فجأة أصيب بمرض لم تستبن المعامل الطبية السودانية تفاصيله بدقة.. ولم يتوفر له العلاج بالسودان.. وهو الطبيب ووزير الصحة السابق..قدمت له إحدى الجهات الحكومية تذاكر سفر (بالدرجة السياحية!!).. للعلاج بمصر الشقيقة.. وتُركت بقية القائمة الصعبة التي لا تقبل إلا العملة الصعبة.. معلقة على حال صعب.. وأصعب منه إحساس الفجيعة في وطن يأخذ.. ويأخذ.. ويأخذ ويمعن في الأخذ.. ولا يعطي بعد ذلك إلا النكران والخذلان بجفون كأنها لا ترى في الرجال إلا (مناصب) فإذا فارقوها.. فارقهم الاهتمام والمخصصات والنثريات..
ما الذي جرى في هذه البلاد؟؟ هل صار يتيما من الحنان الرسمي.. الإنسان فيه قيد يفتح في سجل المواليد ويمضي في السيرة الذاتية حتى اللحظة التي يدرك فيها أنه كان مواطنا في وطن بلا مواطنة..إذا كان مثل شاكر السراج.. نقيب الأطباء.. ووزير الصحة.. عندما يكابد المرض وتعجز مؤسساتنا المحلية عن علاجه.. فتعجز همة الدولة عن علاجه بالخارج.. إذن من سيتعشم في ماذا؟؟ من سيكون قادرا على الإحساس بالانتماء الى وطن يأكل اللحم ويرمي العظم..
لا أستجدي أحدا بهذه السطور.. فمثل هذا الرجل ما مد يده لغيره طوال سيرته العملية الطويلة.. لكنى آسٍ على أجيال ستقتات من مثل هذه المشاهد والمواقف لتصنع منها (عرضحالا) طويلا ضد الوطن.. وحيثيات قرار عاجل بالبحث عن وطن بالتبني.. بـ(اللوتري) أو حتى بعبور الأسلاك الشائكة.. تحت زخات الرصاص.. إلى إسرائيل..أين سوداننا؟؟.. بل أين نحن؟؟

ليست هناك تعليقات: