الثلاثاء، 30 يونيو، 2009

غب الحالتين ..ضائع 30 يونيو 2009

في الحالتين.. ضائع ..!!

لا أعتقد أن السيد باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان قد فهم تصريحات الأستاذ أحمد ابراهيم الطاهر.. فالسيد أموم نقلت عنه صحف الأمس أن تصريحات الطاهر (لعب بالنار) ..
الطاهر صرح قبل عدة أيام أن البرلمان حينما يشَّرع قانون الاستفتاء سيجتهد أن يجعل من الإنفصال قراراً صعباً.. لأن اتفاقية السلام الشامل ألزمت الشريكين بالعمل لجعل (الوحدة خياراً جاذباً) ..
وفي تقديري أن ما قاله الطاهر سديد.. وليس بسيط للغاية.. فقرار وحدة/إنفصال سيكون نتيجة مباشرة لعد البطاقات التي يلقي بها شعب جنوب السودان في صناديق الاستفتاء على تقرير المصير في شهر يوليو من العام 2011.. والحساب ولد.. حينها لن يكون الا النظر المباشر في الأرقام.. وهي العملية التي لن يكون في الإمكان التدخل فيها بالقانون أو بغيره.. لكن كلما هو قبل (ليلة التنفيذ).. ليلة التصويت.. سيكون تحت لافتة (جعل الوحدة خيار جاذب) الذي نص عليه اتفاق السلام.. وهي عبارة تعني بالضرورة (جعل الإنفصال خيار غير جاذب) .. وأقل ما يمكن فعله لتحقيق ذلك .. أن لا يكون القانون نفسه مطية لشهوة الانفصال.. بل أداة لرشد الوحدة.. وهذا لا يعني اطلاقا حرمان أهل الجنوب من قرارهم.. فالقرار في يد كل من يدخل خلف الستار ليضع البطاقة في الصندوق.. دون وعد أو وعيد..
وفي تقديري أن السيد باقان اموم .. بتصريحاته هذه، ربما يكشف بعض الـ(لا) شعور في استراتيجية الحركة الشعبية.. الرغبة في أن تسير الرياح بأعتى ما تيسر في الاتجاه الدافع نحو الانفصال.. حتى ولو لم يكن ذلك رغبة غالبية اهل الجنوب.. وفي مثل هذا التفكير خطأ جسيم.. لأنه يشعل النيران في (مصير التقرير) مباشرة بعد انتهاء (تقرير المصير).. فليس كل أهل الجنوب رغبتهم الإنفصال..
الأجدر .. بل ومن الحكمة.. أن ننظر - من الجنوب أو الشمال – لعملية تقرير المصير ببصيرة لا غريزة.. فالمطلوب من هذه العملية أن تحقق أمنية شعب السودان في المستقبل المستقر المتحضر الآمن ..مستقبل في وطن أو وطنين لا يهم.. فقط الذي يهم أن لا يكون الإنفصال نفسه بلاء جديداً بعد بلاءات الوحدة التي دامت لأكثر من خمسين عاماً تحت فرقعة السلاح وهدير سيول الدماء..سيكون سهلاً لأهل الجنوب أن يقرروا بملء حريتهم، الوحدة أو الإنفصال.. فقط إذا رشد الساسة ونظروا بكل تجرد إلى المستقبل.. لكن إذا أصر الساسة على ممارسة (الأبوية) على شعوبهم.. واستبطنوا (الوصاية) على مصير شعوبهم.. سيكون المصير.. في الحالتين.. ضائع ..!!

الاثنين، 29 يونيو، 2009

Case Study 29 يونيو 2009

Case Study

حالة تصلح للدراسة المخبرية والعملية.. هل شاهدتم أو سمعتم الحوار الذي أجراه التلفزيون مع المشير عمر البشير رئيس الجمهورية ونقلته الإذاعات حياً؟؟
ما هي الرسالة الإعلامية التي قصد التلفزيون إرسالها للمتلقين.. أم هل هو مجرد عمل روتيني كل عام في موسم الاحتفالات بأعياد الإنقاذ؟؟
رئيس الجمهورية رمز وطني رفيع لا يتاح الحوار معه (وعلى الهواء مباشرة!!) إلا في حدود ضيقة للغاية.. فإذا أتيح لجهاز إعلامي مثل هذه الفرصة، فإنه من العبث وهدر الفرص أن تقدم للرئيس أسئلة هي أقرب للأجابات. أو أن يسأل من أشياء سبق له الحديث عها كثيرا في مثل هذه المناسبات.. مثل المقارنات في الأوضاع قبل وبعد الإنقاذ.. فمثل هذا الخطاب استهلك بكثرة الترداد في مثل هذه المواسم .. ثم ان عمر الإنقاذ الآن (20) عاماً وهي مساحة زمنية أجدر أن تقاس بمراحلها لا بما قبلها.. فلو كان الماضي يصلح مقاساً بصورة مطلقة ربما لأصبح مناسباً مقارنة الاقتصاد في ما قبل المهدية ..الفاصل الزمني هنا أكبر من أي مقارنة.. وكذلك الـ(20) عاماً لا تصلح لاسترجاع المقارنات..
ولو كان هناك خبراء يعكفون على مثل هذه الفرص التي تتاح للحديث (على الهواء مباشرة ) لأعلى شخصية سيادية في البلاد، ربما لنصحوا بأن لا يكون الرئيس هو من يطري ويثني على فترة حكمه.. الأنسب أن يكون ذلك على لسان آخرين.. أما الرئيس فهناك قضايا متراكبة يريد الشارع السوداني أن يسمع رأيه فيها..
الرئيس البشير من أفضل الروؤساء العرب والأفارقة قدرة على الحوار الإعلامي.. يجيد فهم السؤال ويجيد تسديد الإجابة بتجميع المعلومات بصورة منطقية ثم طرحها بسلاسة وعمق.. لكن المشكلة أن الإعلاميين الرسميين يظنون أنهم يحسنون صنعا عندما يفرغون اسئلة حوراتهم من كل شيء.. (ربما خوفاً على الرئيس منها ..) فتكون النتيجة أن الرسالة الإعلامية المقصودة من الحوار تذهب في اتجاه طائش يضل هدفه..المفترض في الإعلام الحكومي.. وبمناسبة الذكرى العشرين لتولي حكومة الإنقاذ السلطة.. أن يستلهم المطلوب في المرحلة الحالية.. الخطاب السياسي الذي يتناسب مع الزمن.. وهو خطاب مفرداته سهلة يمكن إلتقاطها من أقرب (شارع عام).. من المواطن الذي في رأسه ألف سؤال وسؤال يود لو اتيح للرئيس الرد عليها مباشرة على الهواء.. فيصبح الإعلام الرسمي ناقل نبض الجماهير.. لا حاجب صد الجماهير..الأجدر أن تكون مثل هذه المناسبة فرصة .. لإمتصاص الأسئلة التي تئن بها صدور المواطنين خاصة في القضايا ذات الحساسية الشعبية العالية..!!

السبت، 27 يونيو، 2009

النفخ في الكير 28 يونيو 2009

النفخ.. في الكير..!!

في خبر تمهيدي قبل نشر الحوار في صحيفة الرأي العام.. الدكتور أمين حسن عمر رئيس الوفد الحكومي لمفاوضات الدوحة .. قال (أنّ الحكومة إن أرادت حشد قوة للقضاء على حاملي السلاح لفعلت..) لكنه عزا إحجام الحكومة عن ذلك لأسباب إنسانية تتعلق بالخوف من النزوح واللجوء للمتأثرين بالحرب..
لا أدري هل حسب د. أمين حساب مثل هذه الكلمات جيداً، أم أنه افترض أن الخطاب الإعلامي ليس بحاجة لأي حساب.. فالعبارة التي نُسبت إليه.. تمنح الإحساس بأن المفاوضات مجرد خيار (ثانوي) .. وأن هناك خيار آخر في متناول اليد لكنه مؤجل تحسبا وخشية تفاقم الضغط الإنسانية على المواطنين..
ولو فطن د. أمين حسن عمر ورجع ببصره قليلاً إلى الوراء أيام كان مع الوفد المفاوض في نيافشا.. لرأي بحر دماء تمدد لعشرين عاما كاملة.. ثم ما لاح في آخر نفقه ضوء إلا بعد أن جلس الطرفان حول طاولة المفاوضات.. ولو استمرت حرب الجنوب عشرين عاما أخرى.. لما تحقق ما قاله أمين (حشد قوة للقضاء على حاملي السلاح)..
ولو حسب أمين وزن كلماته قليلا.. ربما أدرك أن (حاملي السلاح) الذين في الإمكان (القضاء عليهم!!) هم أيضاً مواطنون سودانيون كل نطقة دم تسيل منهم محسوبة من (بنك دم) الوطن.. وأن أي حكومة سديدة راشدة تنظر لحقن دماء مواطنيها أياً كانوا.. في معسكرات النزوح أو معسكرات التمرد.. وأي مفاوضات أو تسوية سلمية ..أو مجرد كلمة طيبة (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء..) هي ليست مجرد أمنية، بل مطلب ومسعى ورجاء وأمل لا يصدن عنه يأس أو ضجر.. أو- بالأحرى – كِبر..(بكسر الكاف.. حتى لا تخلط الكلمة مع اسم والي شمال دارفور)
في تقديري- وأرجو أن يتسع صدر أمين حسن عمر- أن مثل هذه اللهجة ونهج التفكير هو الذي أنجب كل الفواجع المزمنة التي تطأطي رأسنا بين الأمم.. الإحساس العميق أننا أمتين.. أمة فوق..فوق، هناك في العليين.. تنظر من شرفة إلى أمة تحت.. تحت، هناك أسفل سافلين..
أمة ملهمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. وأمة متلقية صامتة.. تنتظر الفرج..!!
الأجدر، أن السلام غاية الوصول إليه عبر طريق الصلح .. أفضل ألف مرة من الوصول إليه عبر الدماء.. حتى ولو طان مشوار الدماء ..ساعة.. ومشوار الصلح ألف ساعة..
فالدم الذي يسيل .. مهما توصل بعده الأطرف الى سلام .. يظل حاميا في الصدور.. يحتقن رغم التعافي والتصالح.. وربما يدفن في باطن الأرض كبذرة شجرة تنمو وتثمر في المستقبل أجيالا ترضع الحقد والتغابن .. والترصد..
ليت د. أمين يراجع نهج تفكيره.. ألم نبلغ النصاب القانوني من الدماء بعد..!!

أين المشكلة 27 يونيو 2009

أين المشكلة..!!

مجلس الوزراء أجاز يوم الخميس (أمس الأول) مشروع قانون المرور لعام 2009.. وحسب تصريحات السيد الأمين العام لمجس الوزراء أن القانون يحوي (عقوبات!!) جسيمة تصل للسجن من سنة الى خمس سنوات .. والغاء الرخصة.. وغرات أخرى باهظة..
ولان القانون الجديد.. ليس مجرد تعديل للقانون السابق – حسب ما فهمت من سياق الخبر – بل هو قانون كامل (كرت وكرتونة) .. فمن المنطق أنه جاء لحل مشكلة.. فالقوانين لا تسن لمجرد أنها قوانين والسلام.. القانون – أي قانون – هو معالجة تشريعية لحل مشكلة.. تنظيم وضع معين بصورة محددة ..فإذا كانت أهم سمات القانون الجديد هي (العقوبات!!) .. فالأجدر فهمه أن المشرع قصد حل مشكلة المخالفات المرورية والحوداث التي تنتج عنها بـ(العقوبات!) .. ويعني ذلك منطقياً. ان المشرع يؤمن أن ما يحتاجه المرور والشارع هو حزمة (عقوبات!!) ليس إلا.. بعدها ينصلح الحال.. سجن السائقين حتى خمس سنوات.. وارهقا جيوبهم بالغرامات الثقيلة.. ستجعل أصحاب الحافلات التي تملأ شوارع الخرطوم.. يمشون (على العجين دون أن يلخبطوه) على رأي المثل.. يسيرون على مهل في الشارع.. لا يتخطون فوق الرصيف.. ولا يتسابقون فوق ظهر كبري شمبات.. وإذا زاحمنهم سيارة .. أخرج سائق الحافلة يده من الشباك وقال للآخر (تفضل والله إنت الكبير..).
هل كان العيب في قانون المرور.. وغراماته وخلوه من السجن.. هل ذلك هو السبب في تكدس السيارات في الطرقات وتجمدها في وسط الخرطوم.. أم هل السبب في حوادث طريق مدني أو التحدي .. أن العقوبات لا تكفي لردع الصواريخ عابرة الولايات التي تجري في الطريق السريع .. (هل قلت الطريق السريع!. أين هو الطريق السريع في السودان ؟؟).
لنفرض أن قانون المرور تطور أكثر.. وصارت عقوبة المخالفات المرورية الإعدام شنقا حتى الموت. هل يحل ذلك مشكلة الطرق والمرور ؟.
هل شرطة المرور المنتشرة في الشوارع .. لتنظيم المرور أم (جباية) مخالفات المرور.؟ أيهما (المخالفة!) .. أن يقود سائق سيارته بسرعة .. ام ايقاف شرطة المرور السيارات في (عز الزحمة) .. وفي منتصف الطريق للبحث عن الأوراق الرسمية للمركبة أو سائقها..
أيهما المخالفة.. أن يتخطى سائق سيارة أمامه .. في مكان لا يجوز فيه التخطي.. ام أن لا يجد السائق في الطريق لافتة ترشده لما يجب أن يفعله أو لا يفعله..
أيهما المخالفة ..لا يرخص السائق سيارته.. ام أن ترخص الشرطة لرجالها حق استلام المال نقدا في الشارع .. ويتفرج الناس على مناظر رجل الشرطة بلبسه الأبيض يحمل حقيبة سوداء.. ليجمع بها مال المخالفات ..في عرض الطريق.
أيهما يخالف القانون .. سائق بلا رخصة .. ام شرطي يسحب الرخصة ويأخذها في جيبه ..!
المشكلة ليست في القانون .. بل في فهم المشكلة ..!!.

الجمعة، 26 يونيو، 2009

توجيه نائب الرئيس 26 يونيو 2009

توجيه نائب الرئيس ..!

ما كنت أظن أن الأستاذ على عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية.. بكل مشغولياته المتراكبة.. بوسعه التأمل في فضاء آخر غير السياسة.. فيتذكر أن السودان وطن النسيان.. ما أن يطوي مبدعيه ورواده الأفذاذ تحت الثرى.. ثم لا يقصرون في المأتم والتأبين وطقوس (يوم الشكر العظيم) .. حتى تغمر الذاكرة أستار الظلام.. فتنسى..
قبل عدة أيام تلقيت اتصالاً من مكتب الأستاذ كمال عبد اللطيف وزير الدولة برئاسة مجلس الوزراء.. للإجتماع به في مكتبه.. تصورت أي موضوع لهذا الإجتماع .. إلا أن يكون توجيهاً من السيد نائب الرئيس واستجابة لمقترح من الدكتور جعفر ميرغني .. للنظر في تخليد ذكرى الفنان عثمان حسين .. ليس بحفل أو تأبين أو كلمات مبثوثة في الأثير المجاني.. بل بمجمع معماري يضم في جنباته مسرحاً ومكتبة ومسجداً وحديقة مفتوحة ..صدقة جارية تصعد لروحه.. ومعلما حضارياً راسخاً يثبت اسمه للأجيال السودانية القادمة..
وأضاف كمال عبداللطيف لقائمة التخليد.. إطلاق اسم الفنان عثمان حسين على أحد اهم شوارع العاصمة.. ولو لم تخني الذاكرة أو الوصف الجغرافي ..فالمقصود باقتراح كمال عبد اللطيف، أحد أهم شوارع حي السجانة الذي كان يسكنه الفنان ..الشارع العابر من الغرب الى الشرق أمام القسم الأوسط والإمدادات الطبية وجنوب حديقة القرشي وشمال مركز التدريب التابع لمجموعة سوداتل للاتصالات.. ويواصل حتى حديقة الأوزون ليلتقي مع شارع محمد نجيب .. وأرجو أن لا أكون أخطأت في الوصف الجغرافي.. أو في الشارع المقترح..
وعثمان حسين.. ليس مجرد مطرب غنى وأغدق على المكتبة الفنية السودانية بحرير لا يضاهى من الألحان التي ترصع جيد كلمات مختارة بعناية لشعراء.. كل منهم نال جائزة (نوبل) الفنية .. بغناء عثمان حسين لشعره..
عثمان حسين أحد رواد الوحدة الوطنية.. أنظر كيف يختلف الناس على الساسة.. وأنظر صنائع الساسة في بلدنا الذي تمزق بالحروب.. لكن الفن الراقي.. عصارة الوجدان السوداني الخالصة.. يسري في عروق السودانيين من وإلى أقصى أركانه الأربعة.. لا تقهره حدود ولا إتفاقيات سلام شامل ولا حكم كونفدرالي ..
الفن والرياضة.. كلاهما إبداع.. وكلاهما من مفردات الوحدة الجاذبة.. ولو استخدما بذكاء لكانا الترياق الذي يعصم هذه البلاد من ويلات السياسة والساسة.. والإستثمار في ترفيع المبدعين ليس هدراً في عراء (الفياقة!!) .. هو تمتين لنسيج البلد الممزق..
غزل كلمات أغنية..ثم تلحينها .. ثم الإمعان في عجنها بعسل الترنيم.. عمل لا يهبه الله الا لإنسان مقصود.. نعمة من نالها استحق الخلود في ذاكرة الأجيال..
عثمان حسين..ابداع سيتمدد عبر الأجيال.. حتى ولو انسحب الجسد من دنيا الناس..

الأربعاء، 24 يونيو، 2009

اللهم لا حسد 24 يونيو 2009

اللهم.. لا حسد..!!

هل عيب أن يكون في مجتمعنا السوداني أغنياء..؟ بصراحة يلفت نظري كثيراً أن الضمير العام السوداني يفترض في الثراء رديفاً للحرام.. أي أن المال يظل حلالا طالما صاحبه في شظف يسير أو عسير.. لكن إذا أنعم الله عليه بمال غزير.. يصبح في الأمر نظر..
دعوني أكسر خاطر الضمير السوداني الشعبي مباشرة فأقول لكم .. مقياس رفاهية المجتمع كله تقاس بعدد أثريائه.. كلما زاد عدد الأثرياء المتخمين بالمال .. صاراحظ المجتمع كله أفضل..
الأثرياء هم قوة الدفع الدافقة التي تحرك الإقتصاد.. فإذ افترضنا أن (عفة!) المجتمع في فقره المدقع.. هنا يصبح إقتصاد فقراء.. لا يرفع حال البلد ولا يوفر مستقبلا لأجياله ..
وربما أكشف لكم سراً.. أن السبب في الإحساس الدفين في المجتمع السوداني أن الثراء عيباً مشوباً بالشبهات.. وأن الأثرياء هم إما لصوص أو بالبلدي (حرامية).. أن أجيالا كثيرة في الماضي تربت في كنف الحكومة.. يدخل التلميذ في المدرسة الحكومية ويقيم في (الداخلية) تطبخ له الحكومة طعامه وربما تغسل له ملابسه..أذكر في مدرسة الكدرو المتوسطة.. رغم أننا كنا طلابا (خارجيين) أي لا نقيم في الداخلية مثل زملائنا من أهل القرى الأبعد.. إلا أننا كنا نحظى بوجبة الفطور مجانا في المدرسة اسوة بطلاب الداخلية.. وأي وجبة هي.. أشهى أنواع الجبنة الرومية المستوردة والساردين والبيض وغيرها..
مثل تلك الحياة خرجت أجيالا ترى في الحكومة الأب والأم..وترى أن المال يجب أن يكون كله في يد الحكومة.. وكلما ظفرت بمواطن سوداني بسط الله له في الرزق.. ثارت في النفوس شبهات الحرام..
لو كان في المجتمع السوداني .. ألف مواطن فقط قادرين على تعليم أطفالهم في مدرسة رسومها في العام تفوق الـ(50) مليون جنيها.. فذلك يعني أن في بلادنا ألف مليونير.. يعني ألف مصنع أو شركة كبيرة.. يعني عشرات الآلاف من فرص العمل والرزق الكريم.. والعكس صحيح.. إذا لم يكن في السودان كله مواطن واحد قادر على تعليم أبنائه في أغلى المدارس.. فعين ذلك أننا بلد من الفقراء .. الذين يسألون العالم الحافا.. يعيشون على الاغاثات والهبات من محسني العالم الأثرياء..
لا يجب أن يكون في المجتمع أي إحساس بالكراهية لمن وسع الله له في رزقه.. فمن رزقه ترزق أفواه كثيرة.. وأدعوا للأثرياء أن يزيدهم الله عددا ونعمة.. فاقتصادات الدول الكريمة.. يديرها أصحاب الأعمال .. ولو نضب معين القادرين على تأسيس الأعمال والتجارة والصناعة الكبيرة.. نصبح جميعا.. شعباً من مستحقي الزكاة..

الثلاثاء، 23 يونيو، 2009

تأليم 23 يونيو 2009

(تأليم..!!)

عاد التلاميذ الى المدارس.. وعادت بعض المدارس الحكومية الى فرض الرسوم على الطلاب..رغم أنف قرارات وزارة التربية والتعليم.. ورغم أنف مجانية التعليم الحكومي.. ورغم أنف أولياء الأمور الذين لا يعرفون السبب الذي يجعل بعض المدارس الحكومية فوق القانون ..
الرسوم .. من باب التحايل .. لا تأخذ المسمى المباشر .. تطلق عليها ادارات المدارس أسماء أخرى من قبيل.. رسوم مجلس الآباء.. رسوم كل عام دراسي وأنتم بخير..المهم رسوم والسلام... وفي نهاية الأمر تتجمع لتصبح مبلغاً كامل العنفوان لا يستطيع غالب الآباء تدبيره.. ولو كانوا من الأصل يملكونه لما تكبدوا عناء ارسال أطفالهم الى مدرسة حكومية..
المواطن السوداني مذبوح مرتين.. مرة بضجيج التصريحات الحكومية التي تقسم بالله أن التعليم مجاني .. وتطلب من المواطن أن يشتكي إذا طالبته ادارة المدرسة بالرسوم.. وهم يعلمون والمواطن يعلم.. والله يعلم.. أن الحكومة تؤمن بمدأ (الشكوى لغير الله مذلة) فأذنها ثقيلة عن سماع الشكوى .. خاصة اذا كانت في الجبايات ..
ومرة ثانية .. بمنهج التحايل المدرسي الذي لا يغلب أبدا في ابتداع المسميات الجديدة للرسوم.. والمسنود دائما بحجج تجعل الآباء في مقام (الدفع.. أو الدفع) دفع الرسوم .. او دفع أطفالهم خارج أسوار المدرسة..
إذا كانت وزارة التربية والتعليم تركت المدارس تقتات من خشاش الأرض.. من جيوب الفقراء المعدمين الذين لجأوا اليها كملاذ جبري حتمي لا غيره الا الشارع.. فالأجدر أن لا تخدش أحسايس الناس بالتصريحات التي تتحدث عن مجانية التعليم..ربما الأفضل أن يقولوا (شبه مجاني)..أو ( مجاني بنهكة التعليم الخاص).. أي وصف يسمح للناس بأن لا يناطحوا ادارة المدرسة عندما تأمرهم بدفع الرسوم عن وهم صاغرون..لأن العملية (التربوية) لا تحتمل مثل هذا التناقض بين القول والفعل..
ربما لا يصدق بعض الكبار .. أن في غالبية الأسر في السودان .. لا تملك ..ليس مجرد رسوم تعليم أطفالها..بل حتى قيمة وجبة الإفطار.. يذهب صغارهم الى المدارس لا يحملون سوى الأمل.. ويمضي النهار كلهم عليهم ببطون خاوية.. على سياق ما حكاه لي رجل عصامي يتبوأ الآن منصبا رفيعاً.. قال أنه لما كان في المدرسة الإبتدائيية. وكان لا يملك قيمة وجةب الإفطار.. كان يذهب الى الحمام ويظل فيه مختبأ من بقية زملائه حتى تنتهي (فسحة الفطور).. فكبرياؤه تمنعه أن ينتظر زملاءه يتصدقون عليه بلقيمات تقمن صلبه..
بل الأمر ربما أسوأ من هذا.. والله العظيم .. بعض الأسر تقسم التعليم بين أطفالها.. يذهب للمدرسة في هذا العام أحدهم.. ويظل إخوانه في المنلز. ثم في العام التالي يذهب آخر ويمكث في البيت من ذهب الى المدرسة في العام السابق..
أدرك أن كثير من المسئولين لا يصدقون أم هذا الحال ..هو عرضحال شعبهم.. وتلك هي المصيبة الأكبر.. أنهم لا يعلمون ..!!

الاثنين، 22 يونيو، 2009

يا شعبا تسامى 22 يونيو 2009

يا شعباً تسامى..!!

بكل أسى.. أضع بين أيديكم أربع صور متقاطعة.. تحكي في مجملها (الواقع الراهن) ..
الصورة الأولى .. اتصال هاتفي من مواطن سوداني يعمل ويقيم في الشقيقة المملكة العربية السعودية.. في إحدى مناطق الحدود المتاخمة للبحر الأحمر من جهة البر المواجه للسودان.. حكى لي قصة غريبة للغاية.. قال أنهم – يقصد السودانيون في المنطقة التي يقيم بها – تعودوا بين الحين والآخر على دفن بضع وعشرين جثة لشباب وشابات سودانيين.. يلقون حتفهم خلال محاولتهم التسلل عبر البحر الى السعودية... قال لي أنهم دفنوا في هذا الشهر وحده حوالي (25) جثة..
هم ضحايا عمليات التهريب عبر (السنابيك) حسب قوله.. والكلمة تعني جمع (سنبوك) وهي مركب تقليدي يستخدم في البحر الأحمر ..
قال لي مهاتفي ..أن أحد الناجين حكى لهم تجربته .. وكيف أنه رأي بأم عينيه جثث الموتى يلقى بها في عرض البحر بلا أدنى تردد خوف المسؤولية .. فالمهربون يقبضون ثمن كل حمولة المركب من البشر.. بلا ايصالات تضمن حق الوصول لا للأرواح ولا الجثث على حد سواء..
المواطن السوداني قال لي أنهم اتصلوا بالسفارة السودانية أكثر من مرة .. لكن (الخط أُغلق في وجههم..) ثم أرسلوا خطابات بـ(الفاكس) ولا جدوى.. وأن المسلسل مستمر .. هاربون عبر البحر.. يتحولون إلى جثث.. ويدفنون في صمت بلا وجيع..
الصورة الثانية، مشابهة..وهناك ليس بعيداً عنهم.. سودانيون أخرون يتسللون عبر الصحاري ويقتحمون الأسوار الشائكة و(المكهربة) للدخول إلى اسرائيل.. قليل منهم ينجح في العبور سالماً.. وكثير منهم يلتهمهم إما رصاص حرس الحدود أو السجون لمن يلقى القبض عليه قبل التسلل..
صورتان في مقابل صورتين آخرتين.. صورة وفدي الحكومة وحركة العدل والمساواة وقد علقا المفاوضات في الدوحة.. وأدليا بتصريحات إعلامية أتهم كل طرف الآخر بالمسؤولية عن فشل الجولة.. عاد الوفدان، الأول إلى الخرطوم والثاني إلى مهجره ..أقصى ما عاناه الوفدان، غربة الأسبوعين في فنادق الشقيقة دولة قطر.. ووعثاء السفر بالطائرة .. وخلف مفاوضاتهم المملة شعب كامل يقيم في معسكرات النزوج واللجوء.. ينظر وينتظر لاشيء.. الا رحمة الله..
وصورة رابعة وأخيرة.. هناك في واشنطون .. وفدان من حزبي المؤتمر الوطني والحركة الشعبية يتفاوضان حول (عوارض) إتفاق السلام الشامل.. الوسيط الأمريكي يسعى بينهما كل على حده.. وهما الشريكان في القصر الجمهوري اللذان يحكمان شعبنا..
الصورتان الأخيرتان تعنيان ..أن الجنوب لا زال بعد أربع سنوات سلام، في أزمة.. وأن دارفور بعد (6) سنوات حرب.. يزداد أزمة.. وبين الأزمتين شعب مرسوم في الصورتين.. الأولتين ..شعب يموت في البحر الأحمر هربا للسعودية.. وفي الأسلاك الشائكة ..هرباً إلى إسرائيل..

السبت، 20 يونيو، 2009

لمن يهمه الأمر 20 يونيو 2009

لمن يهمه الأمر..!!

في يوم الأربعاء 26 أغسطس 2009 القادم باذن الله تحل الذكري الـ(40) لرحيل الزعيم إسماعيل الأزهري.. وعلمت من البروفسير اسماعيل الأزهري أحد أفراد أسرته الكريمة.. نيتهم الأحتفال بالذكرى بصورة غير تقليدية.. وأقترحت عليه تحويل منزل الزعيم الأزهري في أمدرمان الى متحف باسمه.. يحوي مقتنياته الخاصة.. وصوره التذكارية النادرة .. والوثائق التي خطها بيده.. وكل ما يرتبط بحقبته السياسية..
لكن البروفسير اسماعيل الازهري رأي أن فكرة المتحف أجدر بها نادي الخريجيين في أمدرمان. الموقع الذي انطلقت منه الحركة الوطنية في مسارها المفضي لميلاد الأحزاب السودانية..
وفي تقديري.. أن هذه الحكومة كانت الأكثر مبادرة في تكريم بعض رموزنا التاريخية .. فخلدتهم بتسمية بعض الجامعات الجديدة بأسمائهم.. ومنها جامعة الزعيم الأزهري.. أحد أبرز الجامعات السودانية .. ويزداد مع الأيام تألقها وتحوز على سمعة أكاديمية مرموقة..
لكن جامعة الزعيم الأزهري ربما لا تحمل من الأزهري وحقبته التاريخية إلا اسمه.. ولو تقدمت خطوة إلى الأمام وأنشات قسماً مختصا في الدراسات السياسية المرتبطة بتاريخنا الحديث.. وتخصصت في تلك الفترة ربما قدمت شيئاً له مدلول بالأزهري..
تخليد الشخصيات الوطنية التي ترتبط بالعمل الوطني العام.. سمة توقهرا الشعوب المستنيرة.. ليس من باب التقديس أو التمجيد الذاتي الشهصي الضيق. بل من أجل حفظ التاريخ في وجدان أنسان الحاضروالمستقبل..فالأمم التي تنمحي ذاكرتها بسرعة ولا تحفظ الا يوميات عهدها الماثل بين يديها .. هي أمم فاقدة جذور.. منبتة (مقطوعة من شجرة)..
ولاننا في السودان لم نتعود على ثقافة (التماثيل) .. ونحت الشهصيات العامة في تماثيل تشيد في الشوارع أو الحدائق العامة.. فالأجدر أن نحفظ سيرة الشخصيات التاريخية بتوثيق حي .. ثلاثي الأبعاد..
أقول هذا رغم علمي الحزين بالطريقة التي وثقنا بها عهد الخليفة عبد الله التعايشي مثلاً.. فبيته الذي يعد تحفة تاريخية غالية الثمن.. مهمل متروك لمحاسن الصدف لتحافظ عليه ومقتنياته.. والحي الذي يقع فيه بيت الخليفة .. والبيوت التي تجاوره تحولت الآن الى رياض أطفال ومكاتب حكومية متهالكة تفقد كل يوم زهو التاريخ وتتحول إلى حطام لا هو من الحاضر في شكله وزنيته ولا هو مع الماضي في أصالته..
هل تصدقوا .. حاولت يوما تصوير الواجهة الخارجية لبيت الخليفة في أم درمان.. فمنعني رجال الحراسة الرسمية .. لأن الغرفة الخارجية مستغلة بالحراسة.. حيث يسري عليها قانون ( ممنوع الاقتراب أو التصوير)..
الأجدر أن ندرك أن التاريخ قيمة مستردة الثمن.. كل ما ننفقع في توثيقه يعود علينا بأضعافه .. فهو قبلة الزوار والسياح..
هل سنري متحف الزعيم الأزهري.. في ذكراه الأربعينيه..!! سؤال أتركه لمن يهمه الأمر..

الجمعة، 19 يونيو، 2009

الحملة 19 يونيو 2009

(الحملة!!) ..!!

الأستاذ عبد الباسط سبدرات وزير العدل.. في تصريحات صحفية دشن (حملة!!) على الشركات و الأعمال التي وُصفت بأنها وهمية.. (الحملة!!) - حسب الوزير- تمنح الشركات فسحة ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعها وإلا طالتها إجراءات رسمية، منها شطب سجلها.
بصراحة.. لم أفهم أصلاً معنى (حملة!!) في موضوع مستمر لا يجوز في مقامه أصلاً (حملة!!)..
ولعلمي الأكيد بحساسية وزارة العدل عموما لكل ما أكتبه هنا.. إذا جاء ذكرها.. لكني لا أقصد الا بذل النصح والنقد البناء.. وبدون (حساسيات) أقول للسيد الوزير.. أن الأعمال الاقتصادية بمختلف مسمياتها (شركة،إسم عمل، شراكة ،توكيل) هي حزمة ما يُطلق عليه اصطلاحاً (القطاع الخاص الوطني).. وهو الركن الأساسي للإقتصاد بإفتراض أننا دولة تتبع سياسيات السوق الحر ومدمنة خصخصة.. ومطلوب فعلاً ضبط سجلات الأعمال بدرجة تمنح القطاع الخاص مصداقية ذاتية.. ولكن ..!!
عندما يقف وزير العدل شخصياً، وأمام كل الإعلام يرجم الشركات والأعمال الوطنية بأنها (نائمة في مقابر البكري وأحمد شرفي).. وأن ما لا يقل عن 25% منها وهمية.. وأن قانون الشركات العامل في السودان (مثل العنقاء وأصابته لعنة الفراعنة..) .. ولا يبخل عليها بقدر من السخرية والتندر.. ثم يعلن الويل والثبور بعد ثلاثة أشهر لمن يضبط متلبساً بالوهمية.. ألا تقذف تصريحات وزير العدل إقتصادنا بحجر .. مثل الحجر الذي قال بيان الشرطة أنه أصاب أحد المطلوبين في رأسه وأودى به.. وما هو الإقتصاد الوطني سوى هذه الشركات والأعمال..
بلادنا تعج بالمستثمرين وتنتظر غيرهم ليأتوا ويغرسوا أموالهم في تربتها .. فهل يجرؤ مستثمر أجنبي (أو حتى محلي) على دفن أمواله في بلد يلعن فيها وزير العدل شركاتها وأعمالها .؟؟ هل يجرؤ مستثمر على ركوب الطائرة إلى بلد وهو يسمع وزير العدل فيه يلعن ويسخر من (قانون الشركات).. الذي يفترض أن المستثمر آت ليعمل تحت ظله..
حسناً.. لنفترض أن حديث وزير العدل صحيح.. وأن الشركات والأعمال وهمية.. هل من الحكمة أن يصبح ذلك مادة إعلامية ساخرة.. و(حملة!) أم تطوير نظم وإجراءات تقلل من الوهمي وتطور الحقيقي من الأعمال..
وماذا تعني (حملة!).. هل سيذهب مفتشو الوزارة إلى مقار (63) ألف شركة ليتكأدوا من وجودها .. ثم ماذا بعد (الحملة!!) إذا اختفت هذه الشركات مرة أخرى.. أو وُلدت شركات وأعمال جديدة من النوع الذي يسمى (وهمي!!).. هل سيدشن الوزير كل ثلاثة أشهر حملة جديدة..؟؟
إصطلاحاً.. كلمة (سجل) لا تكتسب دقتها إلا من وجود آلية Process تسمح بتحديثه بصورة مستمرة وليس موسمياً عن طريق (حملة!!) .. و(الحملة!!) لا تعني تحديث السجل طالما أنها تنهي بنهاية (الحملة!!) .. فهي ليست Process مستمر..
سيدي وزير العدل .. بالله عليك.. لا تشتم القطاع الخاص السوداني ..وإذا كان لديك تحفظات على بعض بنود القانون.. أصلحها بهدوء.. فتحت (قانون الشركات) الذي شتمته تعمل شركات سامقة وناجحة جداً..

الأربعاء، 17 يونيو، 2009

بيدي .. لا بيد عمرو 18 يونيو 2009

بيدي.. لا بيد عمرو.!!

السيدة سيما سمر.. المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان.. طالبت في تقريرها الحكومة ببعض الأعمال التمهيدية لإصلاح البيئة الانتخابية.. اهمها اتاحة حريات التعبير والتجمع السلمي..
و رغم أن الحكومة انتقدت تقرير سيما سمر..إلا أن واقع الحال – الإنتخابي- فعلا يستحق مثل هذا التوجه.. فالبلاد تتجه نحو بداية حقيقية للإنتخابات .. بعد أن أعلنت المفوضية العامة للإنتخابات الدوائر الإنتخابية وبدأت حمى الإنتخابات تسري (ربما ببرود) في مفاصل المجتمع السوداني ..
والإنتخابات ليست مجرد بطاقة تودع في صندوق الإقتراع.. هي عملية ممتدة وطويلة تعتمد كلياً على مستوى الثقة بين الأطراف المتنافسة.. في كونها عملية نزيهة مبرأة من التدليس.. فإذا توفرت في الأجواء أية مؤشرات تكبح الإحساس بحرية الإرادة السياسية للناخبين.. فإن أسهل ما يمكن جنيه من الإنتخابات هو مزيد من الأزمات والعراك حول صدقية العملية..
ولا يجوز افتراض أن الزمن هنا يمكن أن يلعب لصالح طرف ضد الآخرين.. فقد يظن البعض أن الإبقاء على كوابح التعبير والعمل السياسي أطول فترة قبل الانتخابات، يمكن أن يسهم في رفع فرص النجاح لحزب المؤتمر الوطني.. لكن هذا محض وهم.. إذ أن انهيار الثقة في العملية الإنتخابية أمر لا يمكن افتراض أنه لا يحدث إلا في تخوم الأيام الأخيرة للعملية الانتخابية..لا.. فكلما أحس الشعب بأن الأجواء ليست مهيئة لإنتخابات نزيهة وحرة .. اهتزت رغبته في المشاركة فيها.. وقد يأتي موسم تأسيس سجل الناخبين.. وهي العملية السابقة للانتخابات .. ولا تجد مراكز التسجيل أمامها الا القلة التي لديها مصالح مباشرة مع الانتخابات.. ويكتفي غالبية الشعب بالفرجة – من منازلهم – تماما كما يتفرجون على بطولة كأس القارات الآن.. من منازلهم..
إذا كان حزب المؤتمر الوطني يعمل بهمة لتحقيق أعلى فوز ممكن في الانتخابات، فهو يفسد على نفسه استحقاق هذا الفوز اذا رضي بأن تستمر القيود على حرية التعبير والعمل السياسي أطول ماتيسر..فهو يغرس بذلك شجرة الشك.. وستنمو إلى حين لحظة الإقتراع.. وحينها تلد الصناديق (شرعية!) يمد لها الشارع لساناً طويلاً..
الأجدر أن تأخذ الحكومة تقرير سيما سمر بجدية أكثر.. وتمحو هذه الصورة الشائهة بأعجل ما تيسر ( ليست بالطبع أعجل ما تيسر التي ابتكرتها شورى الوطني في زمن المفاصلة مع الترابي)
وأي يوم يمضي.. على هذا الحال .. يمحو درجة من صدقية الانتخابات القادمة .. فلينظر أهل القرار كم من الدرجات يريدون جمعها .. لهزيمة كل المقاصد التي بنيت على أساسها فكرة الإنتخابات.. والتي عليها ستهدر الدولة أكثر من مليار دولار.. عداً نقداً..!!

عودة المستشار 17 يونيو 2009

عودة المستشار..!!

الدكتور غازي صلاح الدين.. أحيل إليه ملف دارفور أخيراً.. وكان من قبل مستشاراً للسلام تولى ملف مفاوضات قضية جنوب السودان.. والتي جرت على مراحل في عدة مدن بكينيا.. وعلى يديه ولد اتفاق(مشاكوس) الإطاري.. الذي تطور خلال عامين ونصف (من يوليو 2002 إلى يناير 2005) الى اتفاقية السلام الشامل التي تحكم السودان حاليا عبر فترة انتقالية على وشك الإنقضاء..
وبدأ غازي مهامه بزيارة دارفور.. وأطلق عدة تصريحات استهلالية.. ثم سافر إلى واشنطون ليشارك في مؤتمر حول عقبات تنفيذ اتفاق السلام الشامل في جنوب السودان.. وهو ملف ليس بعيداً عن دارفور ..
ورغم ثقتي في قدرة د. غازي على تلمس الأراء والسبل التي تفتح الخيارات على مصراعيها أمامه في رحلة الألف ميل لتحقيق السلام في دارفور.. إلا أن الحاجة ماسة – جداً – للفت نظره الى عامل الوقت.. فقضية دارفور التي أترعت بالدماء والمحن منذ العام 2003.. لم تعد تصلح لأي تلكوء أو انتظار.. وتحتاج لمفهايم ثاقبة تدرك من أين تبدأ مسيرة السلام والتسوية السياسية..
إذا كان غازي يظن أن مفاوضات الدوحة ستحقق السلام في دارفور.. فالأجدر ان يسأل نفسه ولماذا لم يتحقق السلام بعد مفاوضات واتفاق (أبوجا) .. رغم أن الوضع كان ذات الوضع.. حينها كانت حركة تحرير السودان جناج مني أركو مناوي هي الحركة الأكثر نشاطا عسكريا وسياسيا.. وكان كثيرون يظنون أن مجرد توقيع السيد مناوي على وثيقة الاتفاق تتحول حرب دارفور الى دار الوثائق المركزية في حضن التاريخ.. لكن التجربة برهنت أن السلام سلامان.. سلام يزيد من مقاعد القصر والبرلمان والمناصب الدستورية الأخرى.. وسلام آخر علي الأرض.. يتحكم في الأخير رجال يحملون السلاح هناك في فيافي دارفور.. هم الذين اذا وضعوا السلاح.. ترتاح البنادق ويعم السلام.. لكنهم اذا ظلوا في مواقعهم.. مهما كان عدد الوافدين الى الخرطوم للمناصب الدستورية كبيراً.. يظل الحال على ماهو عليه..
ليس هذا بأي حال عرضحال ضد مفاوضات الدوحة.. لكنه بالضرورة لفت نظر أن الذين هم أولى بالمفاوضات .. الذين تحمل أكتافهم البندقية في دارفور..الرجال الذين من الغباء افتراض أنهم ينامون على ظهور السيارات المدججة بالسيارات .. من باب السياحة والتسلية..
أجندة التسوية السياسية والمفاوضات الحقيقية..تبدأ بمخاطبة قضية النازحين في المعسكرات.. الذين تجمدت حياتهم في انتظار عودتهم الى مجتمعاتهم الطبيعية.. لماذ يظن بعض الساسة أن المعسكرات لا يمكن أن تفقد سكانها إلا بعد توقيع وثيقة سلام..؟؟ لماذا الانتظار اذا كان ممكنا الشروع في توفير الاستقرار لشعب دارفور..
بلا من أو أذى.. لا يحمل السلاح على كتفه الا اليائس من حاله.. لكن الرجل الذي ينتظر عودة أبنائه ظهرا كل يوم من المدرسة.. لا يصنع الحرب ولا الدمار..
من هنا يجب أن يبدأ غازي ..!!

الاثنين، 15 يونيو، 2009

ابادة أم قتل ..16 يونيو 2009

إبادة ..أم قتل !!

الإعلام سلاح لا يحتمل غير التصويب الدقيق .. حتى لا تضرب الكلمة في اتجاه آخر غير المقصود .. وأحيانا يكفي كلمة واحدة لنقض كل مدلول المقال أو الخبر.. وتصبح كارثة كبرى اذا افترض حملة الأقلام أن دقة الكلمة ليست أبدا من شروط تصويبها .. وللدلالة على ذلك.. في الصحف أمس الأول.. لفت انتباهي خبر أوردته غالبية الصحف .. نقلا عن وكالة أنباء وطنية.. الخبر يتحدث عن مقتل عشرات من أفراد الجيش الشعبي لتحرير السودان،بمنطقة الناصر بولاية أعالي النيل.. كانوا يرافقون قافلة اغاثة أممية.. على أيدي مجموعات قبلية مسلحة..
لم يلفت نظري الحدث الدرامي الكارثي ولا أرقام القتلى الكبيرة من الجيش الشعبي.. ولا كون المعتدين من قبائل جنوب السودان.. ففي الأونة الأخيرة تواترت مثل هذه الأخبار .. في مواجهات أحيانا لا يظهر بدقة من فيها ضد من .. لكن لفت انتباهي لحد الدهشة.. كلمة واحدة وردت في الخبر استخدمتها غالبة الصحف.. نقلا عن وكالة الأنباء..
الكلمة هي (تبيد!!).. وعنوان الخبر المشترك بين هذه الصحف حمل مفردات (مجموعة قبلية مسلحة تبيد كتيبة من الجيش الشعبي..) .. وأرجو الإنتباه لكلمة (تبيد!!) .. في متن الخبر..
الواقع أن روح كلمة (تبيد!!) عندما تستخدم في مثل هذا المقام ..لا تتلاءم مع الوضع الدستوري لهذه القوات.. فحسب الدستور واتفاق السلام الشامل .. أقرت الدولة واعترفت بثلاث قوات .. هي الجيش الوطني السوداني .. والجيش الشعبي لتحرير السودان ..والقوات المشتركة التي تتشكل من ثم ترث الجيشين الأولين..
وصحفياً.. كلمة (تبيد!!) تستخدم عادة في وصف العدو..كأن تقول مثلاً ( قامت قواتنا بإبادة كتيبة من قوات العدو..) ولا يُقبل صحفياً إستخدامها في الوضع المقابل الآخر.. إذ تبدو نشازاً بل صادمة إذا استخدمت في وصف أي قوات وطنية.. والدليل على ذلك حاول إعادة تركيب الخبر بإستخدام أسماء القوات الثلاثة المعترف بها دستورياً.. ستجد أن الكلمة إذا اُستخدمت مرادفاً للقوة الأولى.. ( قوات العدل والمساواة تبيد كتيبة من الجيش السوداني ) ستحمل مدلولاً عدائياً سافراً غير مقبول وربما يجر قائله إلى متاعب..
الأجدر التمعن والتفرس كثيراً في الكلمات التي قد تفتح نيران الفتن.. فأحيانا مثل هذه الكلمات الصغيرة التي تبدو عابرة.. تلهب الجراح التي لم تندمل بعد.. والأجدر من وكالة الأنباء الوطنية والصحف التي نقلت عنها أن تستخدم كلمة (تقتل) .. على أقل تقدير.. والله أعلم ..

مدهش 15 يونيو 2009

مدهش..!!

في أخبار الأمس أن الدكتور رياك مشار نائب رئيس حكومة اقليم جنوب السودان .. كشف في تنوير لمجلس وزراء الجنوب.. أن هناك بعض الخلافات مع المؤتمر الوطني في بعض تفاصيل قانون الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب.. ومن النبود المختلف عليها ..أحقية المشاركة في الأستفتاء لأبناء الجنوب المقيمين في الشمال.. إذ ترى الحركة الشعبية حرمانهم من التصويت.. ويرى المؤتمر الوطي مشاركتهم في تقرير مصير الجنوب..
هذا الأمر يبدو مربكا بدرجة محيرة.. إذ أن (أهالي جنوب السودان) صفة ممتدة تشمل كل من ارتبطت جذوره العرقية بجنوب السودان أو انحدر من سلالة إحدي قبائل الجنوب.. حتى ولو كان مقيما في أقصى بيت في مدينة وادي حلفا في أقصى شمال السودان..
لكن افتراض الحركة الشعبية أن صفة (أهالي جنوب السودان) سمة جغرافية تمنح لمن كان لحظة الاستفتاء خلف خط تقسيم الجنوب والشمال.. يبدو مثيرا للدهشة.. فهذا عمليا يسقط المواطنة .. في حال تقرير المصير بخيار الانفصال.. عن أي جنوبي خارج جغرافية اقليم الجنوب..ويصبح أهالي الجنوب المقيمين في الشمال.. مجرد (بدون) .. ينتظرون موافقة حكومة الجنوب على حقهم في الانتماء للجنوب..
وبالمنطق العقلاني البسيط.. إذ اختار أهالي الجنوب الانفصال – لا قدر الله – فإن ذلك يعني عملياً أن مواطني الجنوب المقيمين في الشمال هم خارج (تقرير المصير) ومحكومين بمصير لم يقرروه.. وفقدوا انتماءهم للبلدين .. الجنوب أو الشمال..
الأجدر أن يسمح لكل أبناء الجنوب في الجنوب والشمال بل وخارج السودان في ماتيسر من المهاجر لمن استطاع اليها سبيلا.. المشاركة في تقرير المصير... فهو مصيرهم حتى ولو كانوا خارج حدود جغرافية الجنوب.. إلا إذا كانت هناك حسابات أخرى ترى أن ابعادهم من صندوق الاقتراع يحقق أجندة مرسومة سلفاً..
صحيح أن أبناء الجنوب المقيمين في الشمال ربما ارتبط بعضهم بدورة الحياة الاقتصادية في الشمال.. ولم يعد في خاطرهم العودة للجنوب.. لكن مثل هذا الخيار.. خيار الاستمرار في ارتباط الجنوب بالشمال.. ليس مجرد مصلحة شخصية لهؤلاء.. هو نظر وبصيرة تنفذ للمستقبل.. لأن الإنفصال ولو جاء بصندوق التصويت على تقرير المصير.. فإن مصيره – الانفصال- الى هزيمة وعودة بقوة الى حضن الدول ةالأم بعد بضع سنين .. عندما تكتشف الأجيال القادمة أن التعايش في ظل وطن واحد.. لم يعد مطلياً بذلك اللون الداكن الذي أفرزته مرارات تاريخ الحروب الأهلية المتطاولة بين الجنوب والشمال..
من الحكمة أن يسمح قانون الاستفتاء عل ىتقرير المصير لأي من يحمل جينات الجنوب أن يكون جزء من القرار.. لأنه مصيرهم جميعاً..

الجمعة، 12 يونيو، 2009

دليل الخطباء 13 يونيو 2009

دليل الخطباء..!!

أمس.. في صلاة الجمعة وقفت دون تخطيط للصلاة في أحد المساجد الأنيقة في حي أنيق.. المسجد كان مكتظا وتمتد طوابير المصلين في جميع ساحاته.. يتململون في رمضاء حارقة للغاية.. تحتهم بلاط يشوي الأقدام.. والخطيب يعيد ويزيد في خطبته.. يحكي في قصص طويلة ويشرح كأنه يخاطب تلاميذ في الفصل الأول من مرحلة الأساس..
بعد قرابة الأربعين دقيقة .. وبصعوبة.. قرر الإمام أن يترجل من المنبر ليصلي..لم يكن في الأمكان لغالبية المصلين سوى الصلاة في البلاط الحارق بلا أية عوازل تحت أقدامهم.. استخدمت كل ما أملك من (جعلية) لمواصلة الصلاة.. لكنني في لحظة أدركت تماما أنني دخلت في مرحلة (الضرورة القصوى) ويجوز قطع الصلاة والرجوع للمنزل لأدائها ظهرا بدل الجمعة.. كنت موقنا بـ(استفت قلبك.. وإن أفتاك الناس وأفتوك..) وكنت مقتنعاً بأن تركي الصلاة والخروج منها أجر لي ووزر يحمله هذا الخطيب فوق ظهره الى يوم القيامة..
المهم.. تصرفت وسحبت حذاء أحد المصلين أمامي ووضعته تحت رجلي .. اما في السجود فكنت أنتظر الإمام إلى أن أشعر بأنه على وشك الرفع من السجود فأسجد بلمسة سريعة للأرض الحارقة..
بصراحة.. في أتون مرجل تلك الصلاة.. لم يكن مهماً كيف يفترض البعض أن العبادة هي مجموعة طقوس بدنية لا يشترط فيها الحضور الذهني.. وكيف للذهن أن يحضر في مثل هذا الحريق.. لكن كان مهما جدأ أن نتفكر في كيف يدير الراعي مملكته..
في مصر.. أيام كنا طلابا في الجامعة .. نذهب أحيانا للصلاة في مسجد الشيخ ابراهيم عزت.. وكان المسجد يشهد اقبالا كبيرا وتزاحما.. ويلفت نظري أن الشيخ أثناء خطبته كان يتوقف في كل مرة ليطلب من المصلين داخل المسجد التقدم للأمام وضغط الصفوف لاتاحة فرصة لمن هم في خارج المسجد للدخول اليه.. كان واضحا أن فهمه للإمامة يقوم على رعاية ظروف وحال من يأمهم..
لكن في حالنا اليوم.. يبدو أن بعض الأئمة يفترضون أن الجمعة ..كلمات مسجوعات والسلام.. يصعد المنبر ويهيج بخطبة ترتفع فيها حنجرته وتهبط .. باعلى صوت وحماس.. بينما المستعمين اليه في أتون حر مستعر ينتظرون بفارغ الصبر قولة (قوموا الى صلاتكم..)..
من الحكمة أن تبعث وزارة الارشاد بـ(دليل صلاة الجمعة) لجميع الأئمة في السودان.. وتشرح لهم فيه (أتكيت) خطبة الجمعة.. وتذكرهم أن السودان بلد صيفه حار جاف.. وأن خطبة الصلاة لا يجب أن تزيد على ربع الساعة.. حتى ولو صلى الجميع داخل المسجد.. فالتزاحم في هذا الفصل غير مرغوب صحياً..
الأئمة لا يدركون معنى الدين اذا شقوا على المصلين.. هم مثلهم في ذلك مثل جباة المحليات الذين يطوفون على الناس في محلاتهم بكرباج السلطة يستحلبون جيبوهم..
يختلف المكان.. ويستوي المسلك..

حيران..حيران 12 يونيو 2009

حيران .. حيران ..!!

عثمان حسين.. فنان لن يتكرر.. لكن ليس هو موضوعي اليوم.. والدليل – دليل استحالة تكراره- في ليلة تكريمه قبل أيام قلائل في مسرح قاعة الصداقة.. توالى على الخشبة نجوم الغناء وأدوا أغنيات عثمان حسين.. أستطيع أن أجزم أن الجماهير التي مالت طرباً ورقصت.. كانت (تشغل) في كواليس ذاكرتها الصوت الحقيقي.. فأغنيات عثمان حسين.. حتى لو غنيتها أنا العبد الفقير إلى الله.. ولو انتجت شريط كاسيت بصوتي .. في أوله وغلافه أغنية (شجن) ..بصوتي المتواضع.. فسينفذ الشريط من الأسواق في الساعات الاولى.. ليس لجمال صوتي وبراعة تقليد عثمان حسين.. لكن لأن الأغنية من روعة وقوة شحنة وجدانياتها.. لا تُسمع بصوت المقلد مهما أبدع.. في الذاكرة دائما يغني الصوت الحقيقي.. لعثمان حسين.. أغاني عثمان حسين لا تُسمع بالأذن .. بل بأثير (لا)سلكي سحري.. يجعلها تسري في إحساس السامع بصوته هو.. لا بصوت المقلد مهما كان صوت المقلد خشناً.. من قائمة أنكر الأصوات..
في أغنية (خاطرك الغالي).. يسترجع عثمان حسين كلمة (حيران) عدة مرات .. في كل مرة بوجع وألم وأنين ضاج..

(حيران أسائل نفسى إيه كان السبب أصل الخصام
يمكن يكون فى حقك إتلومت فى ساعة ملام
لكن ده ما أظن يكون.. أنا قلبى ليك حفظ الغرام
ما أظن من عرف الهوي.. يعرف عداوة مع السلام)

بالتأكيد، لما كتب الشاعر عوض أحمد الخليفة الكلمات.. لم يكن يظن أبداً أن عثمان حسين سيفصل كلمة (حيــــران) بكل هذه الأهات لتصبح هي في حد ذاتها أغنية داخل أغنية..كانت مجرد كلمة بين ضفتي قصيدة. لكن اللحن المحير.. استرجعها مكررة بعدة اجترارات محيرة.
وأنا مثله.. (حيررررران) .. على حد قوله.. حيرة حقيقية غير مجازية.. كيف تعمل مؤسسات رسمية على انتاج قانون .. قانون الصحافة.. بصورة عرجاء لا ريب في عرجتها..ولا تحتاج الى بطل ليقول أن القانون أعرج.. فيذهب القانون عبر مساره.. حتى يصل – أي والله- الى قبة البرلمان .. ثم تجري معركة حامية الوطيس هناك.. فيها انسحابات ومفاوضات خلف الغرف المغلقة . وتنتهي في النهاية بقانون يجاز بالاجماع.. يلغي غالبية المواد العرجاء التي كانت في مسودة مشروع القانون.. أنا (حيرررران) ممطوة على ما غناها عثمان حسين.. لماذا من الأصل كل المعركة.. هل من قلة المعارك والمصائب.. أم تسلية..رغم أنف الفواجع..
وأنا (حيررران) بنفس أهة عثمان حسين.. من الانتخابات في السودان.. في وقت كل العالم تغطيه أخبار الانتخابات في كل دوله.. إنتخاباتنا.. مصيرها في يد المطر وفصل الخريف.. في بلد بعض أجزائه تعيش (10) شهور في السنة تحت زخات المطر.. وانتخابات ستنجب حكومة تعيش لعام واحد فقط.. انتخابات كلفتها مليار ومائة مليون دولار.. يدفعها شعب يحتاج لكل دولار ليعيش.. شعب ما (عرف عداوة مع السلام)..

الأربعاء، 10 يونيو، 2009

المرأة والحمارة 10 يونيو 2009

المرأة والحمارة..!!

إنتهت إنتخابات لبنان بهدوء..ذات البلد الذي شهد أعنف حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً.. وصلت حد القتل بالهوية.. وذات البلد الذي وراء كل حزب فيه مليشيا.. بعضها – حزب الله – أقوى من جيوش بعض الدول العربية..
فاز تحالف الأغلبية.. وهزم حزب الله ..الذي هزم اسرائيل.. تقل النتيجة زعيهم الشيخ حسن نصرالله - كما يفعل الزعماء في الغرب- ألقى كلمة أزجى فيها التهنئة للفائزين..
وفي موريتانيا .. البلد الذي أطاح بحكمه الجيش قبل أشهر قلائل.. التئم التوافق على عقد انتخابات.. يتنافس فيها زعيم آخر انقلاب (الجنرال محمد ولد عبد العزيز).. ضد زعيم آخرإنقلاب سبقه (العقيد ولد محمد الفال)..
وفي ايران ..بعد يومين .. تحتدم الإنتخابات الرئاسية.. ويتفرج الشعب الايراني على مساجلات المرشحين .. وينتظر النتيجة..
أما في العراق - تصوروا حتى عراق صدام حسين- التهمة توجه لوزير التجارة (عبد الفلاح السوداني) باستغلال منصبه العام.. يتقدم بإستقالته كما يفعل الوزراء في أوروبا.. لكنه يحاول الهرب - كما يفعل الكبراء في شرقنا العربي- تستدعى طائرته في الجو ويعاد إلى بغداد ثم يقدم إلى العدالة.. تأمره بدفع (40) ألف دولاراً على سبيل الضمان مع التعهد بعدم السفر خارج العراق في إنتظار تقديمه إلى المحكمة.. ولا حصانة تجدي..!!
المشهد في مجمله يدل على تقدم في تحرير إنسان العالمين العربي والإسلامي.. إستخدام (الصوت الانتخابي) بدلاً عن (الصوت الإنفجاري)..
ولكن في السودان.. تبدو الإنتخابات حلماً بل كابوساً لا يعرف الناس أين يكمن شره.. في الإنتخابات إذا قامت.. أم في الانتخابات إذا (ما) قامت.. في كلا الطريقين شبح مجهول كفيف البصر..
حزب المؤتمر الوطني – بكل همة – يعقد مؤتمراته التمهيدية Primaries ويختار مرشحيه للدوائر بالتصعيد الديموقراطي من أسفل.. والأحزاب الأخرى – بكل همة - تطلق التصريحات .. التي يُفهم منها أنها تريد الإنتخابات ولا تريدها.. على رأي المثل الشعبي (هذا حار.. وذاك لن أنكوي به..)
يصبح السؤال المنطقي.. لماذا نحن من دون خلق الله إنتخاباتنا تبدو في حد ذاتها مشكلة ومعضلة.. الإجابة بسيطة وسهلة.. لأن كل شعوب الدنيا تدرك أن الإنتخابات تنجب فائزاً وكذلك خاسراً.. ليس في العالم انتخابات كلهم فائزون أو كلهم خاسرون.. لكن في سوداننا الإنتخابات يجب أن تنجب إثنين:
فائز بالنتيجة.. و(فائز!) يتهم النتيجة..بالتزوير على نية (إذا نجحت التجارة المرأة والحمارة ..وإذا خسرت التجارة كفاني الحمارة)..
هل نطمع في (إنتخابات) ..مثل التي تمتع بها شعب لبنان.. بعد أن تنكبنا بحرب أهلية مثل التي عصفت بهم..!!

الثلاثاء، 9 يونيو، 2009

انما تبكي على الحب النساء 9 يونيو 2009

إنما تبكي على الحب.. النساء ..!!

في علم الرياضيات نستخدم مصطلح (الحل التافه) Trivial Solution أو بعبارة عامية (الحل الهايف) للمعادلة أو المسألة التي تحتمل حلا آخر فيه تبسيط مخل.. تماما كالحل التافه الذي يجيب على سؤال (لماذا نشيد الجسر؟؟) فتكون الإجابة (لكي تمر الماء من تحته)..
لكن نظرية (الحل التافه) تتمدد أبعد من حدود الرياضيات والنظريات المحضة.. إلي الواقع العملي الذي نعايشه.. فالحل التافهة – مثلا – لسؤال عن (لماذا يتأخر السودان) هو (لأن العالم يتقدم..).
وقد لا يكون في مثل هذا المنطق حرج إذا كانت القضايا محل التساؤل كتلك لا تتسبب في خسارة الحقيقة وتفتح بابا نحو استنتاج كسيح يلد قرارات عمياء..
لكني في أحوال كثيرة أرى البعض يحلل قضايا مصيرية بمنطق (الحل التافه)..خاصة في ملعبنا السياسي المأزوم..فلا يرى في الوجود شيئا نبيلا إلا وفسره بأنه من صنع مؤامرة أو أحبوكة شيطانية نسجها آخرون..
فيصير .. كل ما تفعله الحكومة..رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..
وكل ما يفعله كل من هو ضد الحكومة .. حق لا يقبل الجدل..
فتصبح خارطة الطريق لتحليل أي قضية .. أن تبحث أين تقف الحكومة ؟؟ للدرجة التي إذا تأخر رد فعل الحكومة نحو قضية معينة .. حبس رد فعله ليعرف أين تقف الحكومة لـ(يعلن) موقفه بعد أن (يلعن) موقف الحكومة.. هذا هو عين الحل (التافه) أو بالعامية (الحل الهايف) .. أن تفسر الأمور ببطاقة من يؤيد ومن يعارض..
وتصبح المصيبة أكبر .. إذا صار التحليل الصحفي ضربا من ممارسة نظرية (الحل التافه) .. نظرية (قل لي أين تقف الحكومة لأقول لك أين ترجم الشيطان).. مثل هذه الكتابة الصحفية تصبح مجرد حالة تعبير عن حب أو كراهية.. إفراغ لشحنة غضب أو رضاء كامنة في الصدور.. لا علاقة لها بالحقيقة.
ولأن الصحافة ضمير المواطن.. يصبح الضمير محذوفا بحرف العلة.. علة النفس التي لا ترى إلا بلون البطاقة.. السياسية..!! والصحفي الحصيف مصاب بعمى الألوان.. السياسية ..!!
أحلم بمؤسسة محايدة للتحقق من الانتشار.. انتشار الوعي الصحفي.. تجري امتحانا لكل الصحفيين من ورقة واحدة.. تحصي فيه موقف الصحفي في كل القضايا مقارنا بموقفه من (الأشخاص) الاعتباريين أو الطبيعيين.. سيكون ضربا من (الحل التافه) أن نجد صحفيا كل مواقفه تنطبق انطباق الحافر على الحافر مع شخص بعينه .. أو ضد شخص بعينه.. شخصا اعتباري أو طبيعي..
إذا افترضنا الصحفي (س) .. في مقابل السياسي (ص) .. ووجدنا أن كل آراء (س) على مر السنوات كانت بالضبط هي موقفا أو آراء (ص) .. يصبح (س) هو (ص) و ينتفى أي فارق يحقق القيمة المضافة التي تصنع الشخصية الأخرى..
وبالمقابل إذا افترضنا الصحفي (أ) في مقابل السياسي (ب) .. ووجدنا كل كتابات (أ) ضد كل مواقف (ب) .. يصبح (أ) هو مقلوب (ب) .. وتنفي القيمة المضافة التي تصنع الشخصية الأخرى .
ليس في الكون حقيقة مطلقة إلا الله .. ليس هناك صالح دائم أو طالح دائم.. إلا إذا كانت المصالح هي الأدوم ..!!







الاثنين، 8 يونيو، 2009

دعوة شخصية لمدير المرور 8 يونيو 2009

دعوة شخصية .. لمدير المرور..!!

نشرت جميع الصحف أمس خبراً.. أن الدكتور عبد الرحمن الخضر والي الخرطوم (الجديد) .. اجتمع أمس الأول مع الفريق شرطة محمد الحافظ حسن عطية مدير شرطة ولاية الخرطوم.. واللواء شرطة الطاهر محمد احمد مدير الإدارة العامة لشرطة المرور.. وبرز إتجاه قوى لتخفيض رسوم ترخيص المركبات في ولاية الخرطوم.. وإلغاء طريقة دفع المخالفات المرورية.. التي تُدفع فوراً ونقداً في قارعة الطريق.. وإستبدالها بالأسلوب الحضاري الذي يسلم المواطن ورقة المخالفة على أن يدفعها حسب ظرفه عبر البنوك أو منافذ الدفع في أقسام الشرطة..
هذا الإجراء – مع دعواتنا للوالي أن يزيده الله توفيقاً – لا يرفع الغبن والنكد والظلم عن المواطن فحسب.. بل يصحح العلاقة الحتمية بين المواطن والحكومة عموماً والشرطة خاصة.. و من أهم أركان الحكم الراشد أن ينظر إلى رضاء المحكومين لا جيوبهم..
رسوم الترخيص في ولاية الخرطوم خرافية.. باهظة تجعل عددا كبيرا من المواطنين يفضلون الاحتراق بالهروب من الشوارع المسفلتة والتسلل عبر الأزقة.. و المخاطرة بالتعرض للغرامات في حال القبض عليهم في مداخل الجسور الحتمية..
وشعب السودان المدقع في فقره.. يحمل في أكتافه مطلوبات حتمية عسيرة .. تكاليف التعليم.. والعلاج وقبلهما الطعام والمسكن .. خاصة أصحاب مركبات الأجرة المتهالكة الذين يخرجون من الفجر بحثا عن لقمة العيش الكريم في وقت يفضل فيه الناس السير على الأقدام بدلا من استخدام المركبات العامة..
هذا الشعب – والله العظيم سعادة الوالي – لا يستحق مثل تلك المعاملة الضنك.. لماذا يدفع المواطن في مدينة الخرطوم ثلاثة أو أربعة أضعاف رسوم الترخيص في أقرب ولاية اليه .. ولاية الجزيرة.. بأي منطق غير واقع الإذعان..
ثم غرامات المرور التي تدفع نقدا وفورا في قارعة الطريق.. لماذا تستخدم ادارة المرور التنكلوجيا وروح العصر في كل عملها ..الا جباية الغرامات.. وعلى من واجبات المواطنة أن يحمل كل مواطن رزما من المال في جيبه ليدفع عن يد وهو صاغر وإلا تعرض مركبته للحجز وقبلها الذلة في الوقوف في قارعة الطريق يترجي ويتوسل وينحني بأبخس ما تيسر..
في تقديري أن الوالي وحكومته يكسبون من مثل هذا الحكم الرشيد .. فالمواطن يحمل في قلبه من البغض لحاكميه بمقدار ما يحمل في أكتافه من الهموم.. ورسولنا الكريم دعا على من يحمل أمته فوق طاقتها فقال.. ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)). رواه مسلم.
وبهذه المناسبة السعيدة .. أتقدم لسعادة مدير ادارة المرور بدعوة كريمة.. ليرافقني في سيارتي المتواضعة لرؤية منظر لا يمكن روايته أو وصفه ..لأنه لا يُصدق.. إلا بالعين المجردة .. مشوار بسيط وقصير.. يشرح للسيد المدير معنى الغرامة المالية التي يدفعها المواطنون..

الأحد، 7 يونيو، 2009

رفع الغبن عن الشعب السوداني 7 يونيو 2009

رفع الغبن عن السوداني..!!

من المسلمات التي تفترضها أدبياتنا العامة.. اننا شعب لا نحترم المواعيد.. ولا الوقت.. واننا جُبلنا على العشوائية فلا نعرف التخطيط.. وأى محاولة لتخطيط حياة السودانيين.. كالحرث في البحر ..
هذه المسلمات خاطئة تماما.. بل (خطيئة).. لأن التسليم بها عادة يؤدي الى مزيد من تكريس حالة (الإعتذار) .. و الفشل في حياتنا.. فنصبح وطنا أسهل ما فيه أن لا تؤدي عملا تحت طائلة (العذر) المستديم .. أننا هكذا ولا جدوى..
حسناً.. سأدحض لكم هذه المسلمات القاتلة (للطموح الوطني..)
لتعلم دقة السودانيين في الوقت.. وإحترامهم للموعد.. اذهب الى المطار.. وانظر هل تقلع الطائرات بلا ركابها السودانيين ؟؟ (كلمة الطائرات هنا أرجو النظر اليها بعين الاعتبار.. فأنا لا أقصد بها كل الطائرات..).. كيف اذن حافظوا على الموعد وبكل دقة ..ليلاً ونهاراً وفجراً في حلكة الظلام.. الإجابة سهلة.. لأنهم إن لم يفعلوا فلن يسافروا.. فالطائرة لا تنتظر.. لكن اذهب الى أى اجتماع عام او خاص.. وانظر كيف يتأخر الناس عن الاجتماع.. السبب واضح.. أولاً لأن الإجتماع ينتظرهم ولو تأخروا عنه ساعات..أو ثانيا لان الاجتماع من الأصل.. تحصيل حاصل.. الحضور والغياب فيه سيان..على سياق المثل الشعبي (اللوم والشكر واحد.. على السجمان)..
المسلمة الثانية.. الشعب السوداني لا يعرف التخطيط..
من قال لكم ذلك؟
كيف يتخرج الطلاب من الجامعات .. مهندسون وأطباء وعلماء وأدباء.. كلية الهندسة مثلا هي برنامج خطة خمسية.. لمدة خمس سنوات محدد فيها بكل دقة ما يجب ان ينجزه الطالب في كل يوم.. ثم هناك مقاييس Mile stones هي الإمتحانات تحدد الأنجاز الذي حققه في كل فصل أو عام حتى يتخرج.. وكلية الطب برنامج خطة (سِتية).. وهناك طلاب يتابعون للدراسات العليا وينالون مزيداً من العلم.. وفق برنامج محدد.. أليس ذلك قمة التخطيط ؟ أن يحدد الطالب بالضبط ما يريد أن يكونه.. وينفذه بالخطة الأكاديمية المعتمدة.. لعدة سنوات متواصلة وبكل دقة..
كل الفرق.. أننا في الحياة الدراسية مجبرون علي التخطيط والالتزام بالخطة بموجب الإمتحانات التي تعقد في نهاية العام .. والتي تقرر النجاح أو الفشل ( لا قدر الله).. فيصبح الإلتزام بالخطة مصير ..
أما في ضروب حياتنا العامة الأخرى.. فالإنسان السوداني أمام خيارات، أقلها كلفة أن (لا) يلتزم بشيء.. أن يكون مسئولاً، لكن عن (لا) شيء.. ينطبق هذا علينا كلنا، رأسياً من القمة إلى أخمص قدمينا.. بعبارة أخرى أن التخلف عن الخطة ليس له ثمن.. فليس هو بإمتحان عنده يكرم المرء أو يهان..
هل يا تُري ستلتزم الحكومة بشريكيها بالخطة التي اتفقا عليها وأطلقا عليها اسم (المصفوفة) .. إذا كانت الإجابة بنعم.. فقد تبقى أقل من ستة أشهر للمجلس الوطني ليجيز كل تعديلات القوانين لتتلاءم مع الدستور..
هل سيفعل ؟؟
أم يخذلنا عدم وجود الإمتحان .. الذي عنده يكرم المرء أو يهان !!

السبت، 6 يونيو، 2009

اوباما في عالمنا 6 يونيو 2009

أوباما في عالمنا ..

باراك حسين أوباما الرئيس الأمريكي، زار المملكة العربية السعودية ثم جمهورية مصر العربية.. واختار نطقة تلاقي رمزية هي جامعتي الأزهر الشريف والقاهرة ..ليلقى خطابه في الأخيرة بحضور استاذة الجامعتين.. وبرر ذلك في خطابه أن الأزهر يمثل الأصل.. وجامعة القاهرة تمثل العصر..
في سياق الخطاب حاول أوباما أن يعيد ترسيم الصورة الذهنية للولايات المتحدة في الضمير الشعبي العربي.. فغالب كلماته كانت تحمل خطابا للشعوب أكثر من الحكومات.. استدعى سيرت الذاتية التي بدأت جذورها من عائلة مسلمة في كينيا ثم عبرت الى أحد أكبر البلاد الإسلامية، اندونيسيا.. ثم دراسته للتاريخ عموماً ومنه الإسلامي.. ليرسم بها منطقاً يسمح قليلا من الصورة الجماهيرية لأمريكا في العالم الإسلامي..
ورغم أن خطاباً واحداً لا يكفي للتأثير على الصورة الشعبية لأمريكا في العالم الإسلامي.خاصة مع بقاء صور القوات الأمريكية في العراق وافغانستان .. والدعم الأمريكي لاسرائيل.. لكن الأوجب أن تعيد الجماهير الإسلامية والعربية نظرتها لنفسها من خلال المنظار الذي ألقى به أوباما أمامها..
نقطة الضعف في علاقتنا مع أمريكا أنا نظر إليها (بالجملة).. ونفترض أن البيت الأبي في واشنطون هو كهف الشيطان الأكبر الذي لا يجوز في حقه الا الدمار والمسح من الوجود.. لكن في سيرة أوباما وحديثه نظرة أخري.. إذ اعاد التذكير بأن رجلا أسودا أفريقيا استطاع أن يعتلي ظهر أمريكا ويمسك بقرنيها .. وأن أمريكا ليست مجرد جيوش .. والإسلام هو الديانة الثانية فيها بعد المسيحية.. وأنها من حيث عدد المسلمين تمثل دولة اسلامية كبرى..
بعبارة أخرى، مواجهة شر أمريكا (العسكري) يتطلب الاستفادة من خيرها المدني.. الحريات والديموقراطية.. سلطة القانون .. العدالة والمساواة..فالمقارنة بشرقنا العربي والإسلامي هنا فاضحة..الشعوب العربية والإسلامية التي تبكي من أمريكا مرة.. تبكي من نفسها ألف مرة.. محكومة بالسوط والجلاد.. مقهورة في حرياتها ومحرومة من أدنى حقوق الإنسان..
والمنافسة مع الغرب وأمريكا تتطلب أن ندرك في عالمنا الإسلامي أن الإنسان هو محور التنمية والأنطلاق.. والإنسان المنحي الظهر .. المصفوع في وجهة لا يمكن أن يكون سيد نفسه أو مستقبله.. وأول نقطة انطلاق مطلوبة هي رفع القيود عن انسان العالم الإسلامي والعربي..
ليست القيود السياسية فحسب ، فتلك أقل جزء ظاهر من القيود .. بل القيود المدنية التي تحوله الى مجرد رقم حسابي في سجلات الدولة خالى من الحقوق والحرمات..

الخميس، 4 يونيو، 2009

حضارة الافتراضي 4 يونيو 2009

حضارة الافتراضي..

بدعوة من المهندس مكاوي محمد عوض شاركت صباح أمس في اجتماع مجلس الإحصاء والمعلومات.. وهو اجتماع دوري يعقده مدير عام الهيئة القومية للكهرباء مع اجهزة الحاسوب والمعلومات والادارات الأخرى المستهلكة للمعلومات.
الإجتماع يتابع مطلوبات حوسبة جميع نشاطات هيئة الكهرباء، وما أكثر تفاصيلها.. ويقول المهندس مكاوي أنهم ظلوا يثابرون على تطوير نظم الكمبيوتر والمعلومات في الهيئة لأكثر من عشر سنوات وأنهم باتوا على أعتاب (الإدارة الافتراضية) .. التي تتخلى عن حضارة الورق وتعتمد كلياً على المعلومات التي تسري في الشرائح الذكية .
وفي تقديري .. ومن تجاربي الخاصة في مواقع أخرى.. أن نجاح أي مؤسسة في التحول إلى حضارة الافتراضي Virtual رهن بالإرادة الادارية ورغبة الإدارة العليا في عملية التحول.. فمطلوبات استخدام الكمبيوتر في العمل ليست باهظة ماليا ولا عسيرة فنيا.. لكن غالبة الجهات التي تتحمس لمثل هذه المشاريع .. تغرق في شبر (فوبيا التكنلوجيا).. يتليس المسؤولين إحساس كابح أنه لا يمكن الثقة في أجهزة باردة مبردة تحشر المعلومات في أضابيرها وتجاويفها الأثيرية ..
حضارة الورق (المضمحلة حالياً) ربت كثير من العقليات الادارية على الثقة فقط في ما هو مكتوب بائن على الورق.. ويجد بعض المسؤولن متعة وولعا بوضع توقيعاتهم على الورق .. ولا يثقون في أي اجراء لا يمر تحت أقلام التوقيعات الادارية ..
لكن حضارة عالم اليوم لا تعترف بمثل هذه القدسية للورق.. وفي يدكم البرهان.. إذ يمكن اليوم لأي عميل في أي بنك أن يسحب أمواله السائلة بكل يسر دون الحاجة للتمتع بطلعة صراف البنك البشري.. ألات الصرف الآلي المنتشرة في الشوارع والطرقات .. بلا توقيعات ولا أقلام ولا ورق .. تتعرف على العميل وتلبي حاجته من المال دون أي حرج أو خوف طوال ساعات اليوم بلا رقيب بشري ..
والواقع أن العقليات التي تتوجس من التنكلوجيا تنسى أن السفر عبر الطائارت هو في حد ذاته أبلغ دليل على اعتمادية وصدقية التعويل على التنكولوجيا.. فالطائرة التي يركبها الناس في الجو .. ماهي الا كمبيوتر عملاق طائر.. والطيار ماهو الا مشغل كمبيوتر يراقب الاجهزة وهي تعمل .. للدرجة التي يمكن فيها للطائرة ان تهبط في المطار آليا دون الحاجة للطيار..
في تقديري أن الخروج من عصر الورق الى علام الافتراضي يجب أن يكون هو المحك الذي تبنى عليه إدارة عالم اليوم.. فالمؤسسة التي تقدس حضارة الورق تصلح متحفا للتاريخ .. لا أكثر..


الأربعاء، 3 يونيو، 2009

مباديء الترتيبات الانفصاليه 3 يونيو 2009

مباديء الترتيبات الانفصالية ..!!

الترتيبات الانفصالية التي تضمن ميلاداً سهلاً لدولة جديدة في الجنوب Smooth Landing .. يجب ان تبنى على مباديء رشيده.. باعتبار أن الإنفصال كان هبة الإرادة السياسية وليس الجماهيرية.. و أن الجمهور شمالاً وجنوباً لا يزال مغيباً عن القرار.. حتى في ظل الإجراءات الشكلية للانتخابات أو الاستفتاء.. فلابد – إذن - ان تقوم أسس الترتيبات الإنفصالية على ترك الباب مفتوحا على مصراعيه للأجيال القادمة إن شاءت أن تتراجع من الإنفصال وترتد الى وضع الدولة الموحدة..
هذا المبدأ سيحدد مفهوما ومنهجا يفترض الحفظ على جينات الوحدة داخل الوجدان السوداني حتى ولو تعذر ذلك في الجغرافيا السياسية.. فلا يجب أن تحرض مشاعر المواطن في الشمال أو الجنوب على الطرف الآخر.. بذل كل الجهد لزرع الإحساس بأن الوحدة أو الانفصال ليس خصاما بل مجرد آلية لحل مشكلة.. وتوفير بيئة نهضة معافاة لشقي الوطن..
بهذا المفهوم يمكن تأسيس جملة مباديء وأركان تقوم عليها الترتيبات الإنفصالية..
المبدأ الأول: جميع الجنوبيين هم أعضاء في الدولة السودانية.. وانفصال الجنوب عن الشمال لا يفقدهم الإنتساب للدولة السودانية.. فيظل كل الجنوبيين في الشمال بكامل حقوق المواطنة السودانية ولن تجبرهم سلطة أو قوة على الهجرة العسكية للجنوب الا بكامل ارادتهم وطوعهم.. كما ان جميع سكان الجنوب الذين اختاروا الانفصال يتمتعون بالحريات الأربع في الدولة السودانية.. حريات الدخول والإقامة والعمل والتملك..
الواقع الذي قد يجهله الكثيرون أن الجنوبيين في بعض مناطق الولاية الشمالية صاروا أكثر عددا من الشماليين فيها.. هؤلاء هم جينات (الوطن الواحد ولو بعد حين) فيجب المحافظة عليهم وتشجيعهم على استمرار مواطنتهم في الدولة السودانية..
المبدأ الثاني: حيث ان الدولة الوليدة الجديدة في جنوب السودان ستكابد مخاض بناء الأمة والبنيات التحتية والخدمات الأساسية للانسان.. فإن الشمال يتعهد باستمرار قبول الطلاب الجنوبيين في كل مراحل التعليم العام .. والجامعات الحكومية أسوة برصفائهم الشماليين دون أى تمييز.. لحين توفر التعليم في الجنوب بدرجة مناسبة.
المبدأ الثالث: حيث أن مشاكل ترسيم الحدود (خاصة في أبيي) ستظل عالقة لبعض الوقت.. وربما تكون سببا في اندلاع حرب حدودية بين البلدين .. فمن الحكمة الإتفاق على أن ترسيم وتقسيم الحدود مقصود به تحديد الموارد الطبيعية والثروات الخاصة بكل قطر .. وليس تقسيماً بشرياً أو سكانياً للقبائل والمجموعات السكانية في خطوط التماس.. فتحافظ قبائل التماس على معاشها في الرقعة الجغرافية التي تتحرك فيها دون اى اعتبار لخطوط التقسيم السياسي..
المبدأ الرابع : ازدهار أى من الدولتين، ليس خصما على الآخر.. بل على النقيض منذلك تماما هو ميزة للدولة الأخرى.. ومن مصلحة الشمال أن يصبح الجنوب دولة مستقرة و متقدمة معتمدة على نفسها..
المبدأ الخامس : الروابط الاقتصادية والتجارية أفضل حارس للوجدان المشترك بين الشعبين.. فتهتم الدولتان بفتح الطرق البرية والنهرية والجوية للتجارة بين البلدين.. ومنح كل دولة للآخرى صفة الشريك التجاري الأول..
مرارات التاريخ الدموي بين الشمال والجنوب قد تكون هي المحامي الاول عن الإنفصال.. فإذا عجزت اتفاقية السلام بكل ماوفرته من عدالة بين الشمال والجنوب أن تداوى هذه المرارات.. فالأجدر (تسريح بإحسان..) ربما يكون سبباً يوما ما.. على يد أجيال لم تحرقها مرارات الاحتراب.. للعودة بكامل الإرادة لمظلة الوطن الواحد..ربما على يد أبناء دينكا دنقلا.. !!

الثلاثاء، 2 يونيو، 2009

اقتراح لمفوضية الانتخابات 2 يونيو 2009

اقتراح لمفوضية الانتخابات..!!

اليوم .. كان التاريخ المعلن من المفوضية العامة للإنتخابات لبدء عملية إدراج المواطنين السودانيين في السجل الإنتخابي.. وهو البداية الحقيقية للإنتخابات.. لكن الوضع يتوغل يوما بعد يوم بعيدا عن برنامج الانتخابات المعلن.. بما يهدد العملية برمتها..
حسب مفوضية الانتخابات.. كان المفترض أن تعلن نتائج الإحصاء السكاني الخامس الذي تؤسس عليه توزيع الدوائر الجغرافية في بداي ةشهر أبريل الماضي.. على أن تحدد مفوضةي الانتخابات بناء على الإحصاء الدوائر الانتخابية في يوم 15 أبريل 2009.. ثم يفتح السجل الإنتخابي في هذا اليوم (الثاني من شهر يونيو 2009)..
لكن حتى هذه اللحظة.. لم تعلن الدوائر الانتخابية.. ويبدو الإحصاء السكاني نفسه محل جدل لا تنقصه الاتهامات .. بينما يذوب الوقت بين أيدي الجميع.. وسيدخل قريبا الى الحيز الذي يصبح فيه عمليا قيام الانتخابات أمر فيه نظر..
المعلوم أننا محكومون بدستور انتقالي ميقاته حتى يوليو عام 2011 حيث يجري الإستفتاء على مصير إقليم جنوب السودان.. وأي حكومة يجري انتخابها ستكون (انتقالية) في الحيز الزماني حتى 2011.. وبحساب بسيط المتبقي من الوقت بالضبط عامين وحوالى شهر واحد...وطالما أن برنامج الانتخابات المعلن ينتهي في فبراير القادم (2010) فالحكومة القادمة كان في كنفها عام وأكثر قليلا قبل أن تواجه بمتغيرات وربما مفاجأت تقرير المصير.. لكن بما أن الجدول المعلن أصلا يتخلف يوماً بعد يوم عن ميقاته فيصبح المهدد الأول للإنتخابات هو تلاشي صلاحية الجدوى العملية للانتخابات.. وهو أمر بات قريباً – جداً - منا ..
وليس وحده الجدول الانتخابي الذي يعاني من تبدد الوقت.. هناك مستحقات أخرى حتمية بغيرها تصبح الانتخابات ..(انتحابات) .. ليس أولها إكمال تعديلات القوانين المطلوبة لتيسير العمل السياسي.. ولا آخرها إطلاق إرادة المواطن السوداني في الإختيار والتعبير.. و حتى لو (جات على نفسها) مفوضية الانتخابات وأجرت تعديلا على جدولها الانتخابي فإن الأمر في النهاية يرتد الى المنطقة التي لا تزال في ملعب المجلس الوطني ولا يكاد يمضي فيها الا بخطى سلحفائية مثقلة بالتثاؤب..
في تقديري أن مفوضية الإنتخابات في حاجة عاجلة لاستدراك الخطة الزمنية للإنتخابات عن طريق تعويم فترة تأسيس السجل الانتخابي.. في الماضي عندما كان السجل الانتخابي يحدد بميقات بداية ونهاية قبل فترة طويلة من الاقتراع.. كان السبب تخلف وسائط التسجيل.. لكن في عصر الكمبيوتر يمكن استمرار عملية التسجيل جنبا الى جنب الطعون .. ثم المراحل اللحقة حتى قبيل الاقتراع بفترة قصيرة.. فتنكلوجيا العصر تتيح ظرفا أفضل وأسرع يجعل الزمن المطلوب للعملية الانتخابية محدودا ربما في شهور أو أسابيع قليلة..
أقترح على مفوضية الانتخابات تعديل الجدول الزمني ليس من ناحية التواقيت فحسب..بل بدمج المراحل.. فمالاذي يمنع الطعون في السجل الانتخابي خلال فترة فتح السجل طالما أن هناك شبكة انترنت يمكن عبرها نشر كشوفات التسجيل كل يوم من أول يوم للتسجيل..

الاثنين، 1 يونيو، 2009

اعلام والسلام 1 يونيو 2009

إعلام.. والسلام..!!

إنتقل إلى رحمة الله عصر أمس الأول (30 مايو 2009) المشير جعفر محمد النميري الرئيس الأسبق لجمهورية السودان (1969-1985) عن عمر شارف الثمانين عاماً.. وشيعته البلاد رسمياً بأعلى مقام سيادي.. وقطعت الإذاعة والتلفزيون الرسمي برامجهما وأتاحا لكوكبة من المذيعين الإنتشار أفقياً ورأسياً في مساحة شاسعة على مدى يومين.. ليغطوا مراسم العزاء ثم التشييع الشعبي والرسمي..
من خلال الإذاعة.. تابعت التغطية.. بفم فاغرٍ من الدهشة المحزنة..ويا لهول المفاجأة.. إتضح – أخيراً – من خلال ما ظلت تردده الإذاعة أن الرئيس (رحمه الله رحمة واسعة) .. كان رائد (الديموقراطية) و (الحرية) .. أي والله .. بنص الكلمات التي ظلت ترددها الإذاعة.. وأنه كان (عبقرية!! الاقتصاد السوداني) ..
صحيح في مثل هذه اللحظات الحتمية .. لا يصح إلا ذكر المحاسن والتغافل عن ما سواها.. لكن الأصح أنه لا يقبل عقلاً ولا عدلاً الإفتراء على التاريخ وإدانة الشعب السوداني على الهواء مباشرة.. الشعب الذي أطاح بنظام مايو وخلعه من الحكم.. هل كان هذا الشعب ناكراً لجميل (الحرية والديموقراطية و عبقرية الإقتصاد) عندما فعل ذلك .. لماذا يتلبس الأخوة المذيعين أن المطلوب منهم وهم يمسكون بالمايكرفون في المأتم أن (يعددوا) كالنائحة بكل ما يخطر على البال دون أدنى مسؤولية.. يرددون أي كلام والسلام..
ماهي معايير الجودة والمسؤولية التي يستند إليها إعلامنا الرسمي في خطابه العام.. هل كل ما يملكه من خبرة أكثر من ستين عاماً.. تجعله يوزع المذيعين خارج الاستديو ليطلب منهم ملء الفراغ..بأي كلام وباستطلاعات معظمها لمن ارتبطوا بالنظام الأسبق والذين يبكون ذكرياتهم..
أحد مذيعي الاذاعة أمس قال بصوت متهدج أنه يقدم لنا مواطنا جاء من مدينة عطبرة خصيصا لحضور مراسم التشييع.. ثم نقل المايكفرون للمواطن..الذي بكل بساطة قال (الحقيقة أنا جيت من عطبرة أزور خالي.. وسمعت بالنبأ هنا ..جيت التشييع لأنو المرحوم من بلدنا في دنقلا..) .. حتى عواطف الناس يحاول الإعلام إعادة تدويرها Recycling ..
هذه الإذاعة التي يتحدثون فيها.. والرواتب التي يتقاضونها عن عملهم، هي من حر مال فقر شعبنا المدقع.. وهو شعب سمح ومتسامح.. يدعو بالرحمة للرئيس الأسبق ويرجو الله أن يتقبله قبولاً حسناً في ظل عدالة قدسية الأحكام والميزان.. لكن لا يعقل أن يفترض إعلامنا الرسمي أن تلك العواطف والمشاعر تمسح التاريخ وتحول الديكتاتورية إلى (ديموقراطية وحرية وعبقرية اقتصادية).. هذا إستخفاف بعقول شعب إنتفض في 6 أبريل 1985 وخلع الحكم عنوة وإقتداراً.. بل صفع له..
اللهم أرحم الرئيس الأسبق جعفر النميري وأنزله في جناتك العلى.. وألهم إعلامنا الرشد والحصافة..