الجمعة، 29 مايو، 2009

قول للزمان ارجع يا زمان 29 مايو 2009

قول للزمان.. ارجع يا زمان..!!

والدي الحاج ميرغني الخليفة الحسين.. كان من السودانيين القليلين في جيله الذين أتيح لهم التعليم فالتحق بعد تخرجه محاسباً بوزارة المالية.. وتنقل بين مدن جنوب السودان ثم جبال النوبة ودارفور ثم عاد إلى الوسط في مصنع سكر الجنيد ثم انتقل منه الى مصنع سكر حلفا الجديده.. واستقر أخيرا في الخرطوم إلى أن بلغ سن المعاش والتقاعد..
في جولته الطويلة هذه توزعنا نحن أبناءه.. فكان من حظي أن أولد أنا وأحد اخوتي في مدينة نيالا.. بينما وُلد بقية أشقائي في مدن الفاشر والجنينة.. إثنان في كل مدينة.. ولم يولد في قريتنا الخليلة الا أكبر اشقائي .. لم تتشكل ذاكرتي في نيالا.. وبالكاد تومض إذ أن عمري كان أقل من ثلاث أعوام عندما غادرتها..إلى الفاشر..
لكن في ذاكرتي صورة واضحة للفترة التي عشتها في الفاشر بعد ذلك.. صورة منزلنا الذي كان يجاور بيت ضابط كبير في حامية الفاشر العسكرية.. كنت معجباً – جداً- وأحرص على التطلع اليه وهو يلبس البزة العسكرية وفي كتفه تلمع أطقم الرتبة العسكرية المرموقة.. وأذكر جيدا كيف يكون جالساً يصلي المغرب في منزله فيأتي جندي من الحامية ويضرب الارض برجله بقوة ويتمتم بكلمات لا أفهمها .. ويدهشني أن الضابط لم يكن مطلقا يرد عليه بكلمة.. كان يكتفي فقط بايماءة من رأسه فيستدير الجندي بكل قوة الى الخلف فيضرب الارض مرة ثانية ويغادر البيت..
وفي ذاكرتي أيضا احتفالات ومعارض كانت تقيمها مدرسة الفاشر الثانوية والتي كان أكبر اخوتي طالبا فيها.. وأذكر لحظة حزن غمرت جميع أفراد أسرتنا عندما بلغنا أن سيلا جارفا في الخريف اكتسح مجموعة من طلاب المدرسة في مدينة زالنجي وكان من بينهم شقيقي عبد الله ميرغني (استشهد عام 1976 في الأحداث الانتفاضة العسكرية ضد الرئيس النميري).. حادثة طلاب مدرسة زالنجي هذه ظلت في ذاكرتي ودهشت جدا لما ذكر لي الاستاذ عبد الله آدم خاطر أنه كان شاهد عيان عليها.. وأنه لا يزال يذكر جيدا كيف أن عبدالله ظل يصارع المياه بقوة محاولا استنقاذ شنطة ملابسه من مياه السيل الجارف..
طوال فترة تنقل الوالد بين مدن دارفور الثلاث.. نيالا.. الفاشر.. الجنينة.. في دورة متكررة ..و كانت اسرته في الخليلة تلح عليه أن ينتقل الى الخرطوم.. لكنه يرد بعبارة واحدة .. أنه يفضل الاقامة في دارفور أطول فترة ممكنة لضمان مستقبل أولاده.. فالتعليم في دارفور أفضل..
تصوروا.. تلك هي الصورة.. التعليم في دارفور أفضل من الخرطوم.. ويصر الوالد على البقاء في دارفور لضمان مستقبل أفضل لأبنائه!!
هل يصدق أحد الآن.. أن تسير عجلة التاريخ عكس تيار الحياة.. فتتحول دارفور الى منطقة شدة.. ولا يجد سبعة أطفال من كل عشرة فرصة في التعليم .. بسبب الحرب اللعينة..
هل نحلم بآلة التاريخ التي تعيد الزمان للوراء.. فترجع دارفور الى الماضي.. !! على رأي أول وزير مواصلات في عهد حكومة الانقاذ الذي أذكر أني سألته في العام 1992 تقريبا عن أهداف خطته للسكك الحديدية .. رد قائلا.. أن ترجع عشرين عاما الى الوراء.. !! عندما كان الناس يضبطون ساعاتهم على صافرة القطار..


ليست هناك تعليقات: