السبت، 13 ديسمبر، 2008

13 ديسمبر 2008 -عليهو ومن العوض ..!

(عليهو.. ومنو العوض ..)..!!

في النشرة الرئيسية.. الساعة العاشرة مساء ليلة الخميس أمس الأول.. قدم تلفزيون السودان نموذجاً يستحق أن يدَّرس لطلاب كليات الإعلام.. تحت عنوان (كيف تهدر أموال الشعب في إعلام فاشل)..!!
بدأت النشرة بخبر عن وصول أول فوج من الحجاج السودانيين من الأراضي المقدسة بعد أداء الحج.. لأكثر من ثلث الساعة.. وهو زمن غال جدا في قيم الإعلام الإحترافي.. كانت الكاميرا تستنطق الحجاج فردا فردا.. (ياحاجة دي أول مرة تحجي فيها ..) يفرك المشاهد عينيه ليتحرى هل هي نشرة الأخبار أم برنامج (مراسي الغربة) .. المهم.. بعد أن أكملت الكاميرا الحجاج.. اختارت منهم (الحاجة أمل) .. ورافقتها إلى منزلها.. ووثقت لحظات استقبال اسرتها لها كلهم فردا فردا.. وسألتهم عن شعورهم بعودة الحاجة.. ثم انتظرت لحظات تقديم الحلوى وتبادل التهاني مع الجيران.. حتى خشيتُ أن تنتظر الكاميرا ذبح الخروف وتقديم الشواء.. ولم ينته الدرس الأول لطلاب الإعلام..
كانت المفاجأة في الخبر التالي له.. قيادات الشرطة تستقبل طائرة الهيلوكوبتر التي أنقذت التائهين في الطريق بين وادي حلفا وأبوحمد.. هنا تجلت (الخبرة!!) الإعلامية في أبهى صورها الموجبة لتدريسها نموذجا للاعلام الفاشل..الخبرالقنبلة الذي هو أقرب الى كرة في (خط ستة) بين قدمي مهاجم والمرمى خال تماما.. ومع ذلك يطيح بها فوق (العارضة)..
تنظر كاميرا التلفزيون لوهلة في وجه أحد الناجين ثم سرعان ما تهرب منهم الى قيادات الشرطة و وزير الداخلية لتعرض لنا صورهم وهو يستقبلون الناجين.. ثم وهم يصرحون عن الإنجاز الكبير.. ثم ترجع الى أحد الناجين .. لا ليحكي القصة ولكن ليضخ مزيدا من الحديث عن (الإنجاز والإعجاز) وتلتقط الكاميرا والمايكرفون كل انطباعاتهم عن الشرطة التي أنقذتهم دون أن تسألهم كيف أصلا تاهوا وقصة الرعب قبل أن يلتقطهم أبطال الشرطة والجيش والأمن..
الذي يرى الخبر في التلفزيون يظن أن هؤلاء الشباب تاهوا في المنطقة بين حلة كوكو والحاج يوسف.. وأن الفريق أول محمد نجيب أرسل لهم سيارة وجدتهم عند (القنطرة) فجاءت بهم للكاميرا.. أهدر التلفزيون تماما قيمة البطولة التي قام بها رجالنا في الشرطة والجيش والأمن ..الذين كانوا يبحثون لعدة أيام عن أبرة في كومة قش الصحراء المرعبة الفتاكة.. في سباق مع الزمن.. إما يخطفهم الموت أو تخطفهم يد قواتنا النظامية فكانت هي الأسرع .. فأنقذتهم..
الصورة الرائعة لأجهزة الشرطة والجيش والأمن وهي تنخرط بكل شراسة في عملية بحث شاقة عن مجموعة من المواطنين العاديين .. فتجعل منهم (VIP's) ولا تنام قيادات الأجهزة حتى تعثر عليهم .. هذه الصورة الرائعة طمسها تماما الإعلام العاطل عن الابداع.. الذي صور احتفاء الاستقبال دون أن يلتقط بذكاء القصة.. ويجذب أنفاس المشاهدين ليروى لهم كيف كانت العملية فدائية من الطراز الفريد..
علة الإعلام الرسمي أنه (يظن!) أن الإمعان في عرض صور القيادات وكبار المسئولين يرضيهم وكفى.. فتكون النتيجة على النقيض..
على العموم نيابة عن الشعب .. شكرا جديرا لقوات الشرطة والجيش والأمن.. و(عليهو العوض ومنو العوض) في الإعلام الذي أهدر أموالنا قبل أن يهدر بطولتكم الرائعة ..


هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

تعاطفى مع هؤلاء الشباب الذين ضاعوا فى الصحراء .. وهذا من ابسط مهمات اى دولة تحترم مواطنيها .. ولكن لو كان هؤلاء الشباب من بقية الولايات المهمشة هل قامت أو حتى استجابت وجيشت الجيوش من الامن .. الطائرات المقاتلة وغيرها ومليارات من الجنيهات .. وما بالها بالامس القريب عشرات من أبناء القبائل يتقاتلون ولا مستجيب والمجاعة الطاحنة فى الجنوب .. ارحمونا الله يرحمكم.

عبد المعز يقول...

والله انت رائع جدا جدا
انا من المتابعين للحدث بوادي حلفا
والله لقد اوصلت ما عجزت انا عن ايصاله
مشكور جدا ....