الأربعاء، 10 ديسمبر، 2008

في بيت الصادق المهدي ..!!

في بيت الصادق المهدي




باب البيت.. بيت الصادق المهدي.. دائماً مفتوح.. بعض الرجال من الأنصار يجلسون على ناصيته يحدقون في الداخلين لكن دون أى سؤال.. هذه المرة أشار إلينا أحدهم بالدخول - على غير العادة - الى صالون البيت.. بدلا عن (القطية) الشهيرة في منتصف الحديقة التي اعتاد الصادق أن يلتقي فيها ضيوفه..
في المدخل المؤدي للصالون كان الاستاذ ابرهيم على .. مدير مكتب سيد صادق يجلس على مكتب وامامه أوراق يرتبها.. قال لنا أن الصادق صعد لتوه لينال قسطا من الراحة.. لكنه سيعود اليكم..

عبق الذكريات ..!!

جلسنا في الصالون الفسيح.. في نفس هذا المكان قبل سنوات طويلة وعندما كنت طالباً في السنة الثالثة بكلية الهندسة.. حضرتُ هنا وأجريت حواراً صحفياً لمجلة (الثقافي) التي كنا نصدرها في القاهرة.. لا زالت ذكريات ذلك اليوم في خاطري كأنها كانت أمس..
في ذلك التاريخ .. في الثلث الأول من الثمانينات .. وكان يوم (جمعة) حددنا موعداً مسبقاً مع السيد الصادق المهدي.. أحضرتُ مسجلاً كبيراً ضخماً.. كنتُ أعتقد أن كبر حجم جهاز التسجيل يتناسب مع حجم الذي أحاوره.. كانت أول مرة أقابل الزعيم السياسي الكبير كفاحاً.. لطالما سمعت عنه وتخيلت شكله لكن عندما دخل علينا في الصالون خيل لي أنه أطول مما كنت أتصور.. وأكثر رشاقة ونشاطاً.. كان يلبس جلباباً قصيراً تحته سروال طويل .. الزي التقليدي الموروث للأنصار.. كنت مرتبكاً جداً في محاولة تفهم (بروتكولات) أمثال هؤلاء الزعماء.. هل أخلع الحذاء خارج الصالون كما رأيت غالبية شيوخ الأنصار يفعلون ذلك وهم يدخلون علينا.. ثم يقبلون يده في احترام كبير بصمت وبعض الهمهمات ويخروجن دون تبادل كلمات..!!
عندما رأني الصادق أحمل ورقة في يدي.. أدرك أنها (الأسئلة!) .. مد يده فسلمتها له.. أخرج ورقة وبدأ يكتب.. استمر الحال كهذا لقرابة الساعة.. صمت كامل.. كان ينظر لوهلة إلى السؤال المكتوب ثم يبدأ في تسطير اجابته على الورقة.. وخلال ذلك يقاطعه بعض شيوخ الأنصار الذين يدخلون للسلام عليه ثم يخرجون دون أن ينطقوا بكلمة..
أخيرا التفت لي وأرجع لي ورقة أسئلتي قائلا (شغل المسجل وأبدأ..)
كنت أقرأ السؤال من ورقتي.. فيقرأ هو اجابته من ورقته التي كتبها قبل قليل..الى أن انتهت اسئلتي المكتوبة مسبقا.. ونشرتُ الحوار بعد ذلك في مجلة "الثقافي" ..
استحضرت تلك الذكريات.. وأنا أجلس بعد كل هذه السنوات في ذات الصالون.. ودخل سيد صادق تقريباً من نفس الباب ..وتقريباً بنفس اللبس.. جلباب قصير وسروال طويل.. الزي التقليدي للأنصار..
جلسنا أمام الصادق ثلاثتنا.. محجوب عروة رئيس تحرير صحيفة (السوداني) نور الدين مدني مستشار التحرير.. و شخصي..
ابتدر الصادق حديثه أنه في طريقه اليوم مساءاً إلى بريطانيا ثم الأردن.. ثم أردف..( والله حكاية غريبة.. كل العالم مشغول بالسودان.. والسودان في عطلة لمدة تسعة أيام ..!!) يقصد عطلة عيد الاضحي العجيبة.. فلأول مرة في تاريخ بلادنا تتمدد عطلة العيد لحوالى عشرة أيام كاملة.. وبعدها ستأتي عطلة عيد الكريمساس لثلاثة ايام.. لأنها تبدأ يوم الخميس وتجمع معها السبت وهو عطلة طبيعية.. ثم بعده بأسبوع واحد عطلة عيد الاستقلال لمدة ثلاثة أيام لذات السبب..خميس وجمعة وسبت.. فيضيع أكثر من نصف شهر ديسمبر في العطلات..
قلت له مازحاً.. (لعلهم يتمثلون بقول المتنبي : أنوم ملء جفوني عن شواردها ويسهل الخلق جراءها ويختصم ..)

(الوضع خطير جدا جدا..)!!

كانت تلك ضربة البداية.. ثم مضى الصادق في تفكيك المشهد السياسي ..
(الوضع خطير جدا جدا) .. هذه العبارة كررها السيد الصادق المهدي أكثر من ثلاث مرات خلال جلستنا معه.. ورجل مثل الصادق لا يستخدم تعبير (خطير) بلا حيثيات.. فهو مطلع على الوضع من منظور ما ظهر منه ومابطن..
قال الصادق ( سألتُ الحكومة هل لديكم خطة "ب" .. حسناً حل قضية دارفور هو الخطة "أ" التي نعمل كلنا لأجلها ..لكن ماهي الخطة البديل في حالة تطور الموقف ..)
واصل سيد صادق مرافعته (لنفترض أن مذكرة المدعي الدولي نالت موافقة الغرفة القضائية الإبتدائية.. وصدر قرار توقيف رئيس الجمهورية.. ما العمل ؟)
السؤال الافتراضي في رأي الصادق لم يعد مجرد حالة دراسة نظرية.. بل توقع أقرب إلى الواقع.. فهل ننتظر الواقعة أم نتحسب لها؟
نبرة الصادق فيها خليط من الرجاء واليأس.. رجاء أن تسمعه أذن قبل فوات الأوان ويأس من الأذان التي لا تسمع .. وإذا سمعت لا تعقل.. وإذا عقلت لا تعمل بما عقلت..
قلت لسيد صادق .. دعك من الحكومة.. هل لحزب الأمة خطة "ب".. رد بالإيجاب.. (لكن لا تزال تعكف عليها لجنة خاصة).. سألتُه هل ستعلنوا عنها وتكشفوها للرأى العام رد بالإيجاب..بصراحة إجابته أربكتني قليلاً فحسب علمي المتواضع أن أي خطة "ب" عادة تستمد قوتها وذكاءها من كونها خطة محجوبة عن النظر لأنها تعتمد على مفاجأة الطرف آخر بمسار لم يتحسب له..

في غرفة الإنعاش ..!!

سألته ..أين ذهب اتفاق التراضي الوطني .. رد (في غرفة الإنعاش..)
الإجابة قاطعة وحاسمة.. لكن الصادق ألحقها بمزيد من الحيثيات.. :
( حزب المؤتمر الوطني لا ينظر للإتفاقات إلا في الجانب الذي يرضيه..)
واصل الصادق .. حتى في ملتقى أهل السودان كان واضحاً أنهم يريدون (طبق سَلَطة) يختارون منه ما يناسبهم ويتركون ما لا يحبونه..
إجابته لم تكن صادمة.. لكنها في حاجة ماسة لأسئلة أخرى.. ( إذا كان ملتقى أهل السودان بمثل ما قلتم.. فما هي فرص نجاح مؤتمر الدوحة.. الذي يعتمد على مستخرجات ملتقى أهل السودان ..)
رد الصادق المهدي ( مؤتمر الدوحة في حكم الفاشل قبل أن يبدأ..أنظروا للوحة أمامكم .. د. خليل ابراهيم زعيم العدل والمساواة يريد مفاوضات منفردة.. لأنه يؤمن أنه صار الفصيل الرئيسي.. عبد الواحد محمد نور متشبث – تقريباً - بالرفض.. فمن الذي تبقى ليتفاوض..الحرة الشعبية شريك الحكم الأساسي .. تمسك في يدها بورقتين لحركات دارفور..).. (طُرة .. وكتابة) والتعبير الأخير من عندي .. تريد ان تعالج مع الحكومة قضية دارفور .. وأن تتحالف مع الحركات في ذات الوقت..

جمع الشتات ..!!

أليس في الإمكان جمع الشتات السياسي الموالي والمعارض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان ؟ .. الحزب الاتحادي الديموقراطي مثلا ألا يمكن أن يشكل ثنائية قطبية مع الأمة القومي للعب دور محوري لصالح الوطن لا الحزب ؟
رد الصادق المهدي .. بأنه نصح الميرغني بأن يجعل أولوياته جمع شتات حزبه.. توحيد الحزب الاتحادي.. إجابة الصادق وخزتني!. وهل جمع الصادق شتات حزبه – أيضاً – المبعثر.!
بذات المنهج والكلمات التي يرفض بها مولانا محمد عثمان الميرغني .. التقدم لجمع أطراف حزبه.. يرفض الصادق قبول (المتفلتين) إلا بشروط غالبها تيئيسي..
هل انتهيتم الى "أمين عام" خلف.. للدكتور المرحوم عبد النبي ؟
رد الصادق.. (حالياً .. نائبه الدكتور عبد الرحمن الغالي يقوم بمهام الأمين العام.. لحين اختيار المؤسسات لخلف..).. حسب رؤية الصادق أن منصب الأمين العام يحقق موازنة إقليمية لذا فهو من نصيب أبناء دارفور.. ويرى من المحتمل أن يتولاه الدكتور التجاني سيسي ..
قاطعه محجوب عروة.. (أليس حرياً بكم مراعاة عامل السن في هذا المنصب الحساس..) عروة يقصد ان الغالي أكثر شبابا من المنصب .. ثم واصل عروة استطراده (.. ربما جدير بكم اعادة النظر في هيكلة الحزب كله..)
صمت السيد صادق ولم يعلق.. فواصل عروة اسداء النصيحة.. (لابد يا سيد صادق من حركة تصحيحية لاعادة هيكلة الحزب.. لدى الكثيرون احساس بأنكم تمسكون بكل مقاليد السلطة.. والمؤسسات في الحزب أضعف من أن تحقق التوازن).. أطرق الصادق ولم يعلق.. فأوغل عروة في المنطقة الحمراء( أنتم كنتم أول من دعا لذلك في بواكير عملكم السياسي..وللفصل بين الامامة ورئاسة الحزب..) كان عروة جريئاً في الإنزال الجوي وراء الخطوط الحمراء التي قد لا تروق للصادق الحديث عنها جهرا..
سأله عروة (هل نجحتم في احتواء قضية نائبكم د. مادبو ؟)
رد الصادق (زرته في منزله.. أتفقنا على احتواء التبعات الإعلامية أولا.. ثم ترك باقي الأمر لمؤسسات الحزب..)
هل أنتم مستعدون للانتخابات؟. أجاب الصادق المهدي بسؤال( وهل يمكن قيام انتخابات..على مثل هذا الحال ؟؟)..
قبل أن نودعه لنتركه ينال قسطا قصيرا من الراحة قبل سفره .. ردد الصادق العبارة مرة أخرى (الوضع ..خطير.. جدا.. جدا..)

سأواصل معكم باذن الله ..الحلقة القادمة في بيت على عثمان ..!!







ليست هناك تعليقات: