السبت، 25 يوليو، 2009

25 يوليو 2009 فن الشجاعة

(فن الشجاعة..)

يوم الجمعة.. لم يعد ذلك اليوم المسترخي الذي ترتاح فيه الأجسام من رهق الأسبوع الشاق.. غالب المناسبات السعيدة تحولت تلقائياً من الخميس، الذي عُرف في الماضي بأنه (صفقة ورقيص).. إلى يوم الجمعة.. أمس فاتني أن (أجامل) بعض أعز الأصدقاء في أفراحهم بسبب التزامن الكامل في التوقيت.. لكن ليس هذا موضوعي اليوم..
في زواج إبنة أخي عصر أمس..وقبل عقد القران.. بدأت فرقة من أبناء جعل تغني بالإيقاع المعروف في ديار الجعليين.. إيقاع (الدلوكة).. والجعليون أصلا ما اشتهروا بفن الغناء المساس بالحنان والوجدان.. غالب إن لم تكن كل أغانيهم ينطبق عليها الوصف السياسي(مجزرة!!) وحمام دماء..وليس أدل على ذلك من أغنية الفنان الكابلي الشهيرة لـ ( بنونه بنت المك نمر)
ماهو الفافنوس ماهو الغليد البوص
ود المك عريس خيلا بجن عركوس
أحيّ علي سيفه البحد الروس
ما دايرالك الميته أم رمادا شح
دايراك يوم لقى بدميك تتوشّح
الميت مسولب والعجاج يكتح
أحيّ علي سيفه البسوي التح
فجمالهم.. وابداعهم في الشجاعة وقت الحرب.. والكرم عند السلم.. ونادر أن يغردوا – مثل أبناء عمومتهم الشايقية- في مفاتن الغزل أو التحنان..
لم أفهم كلمة واحدة من الأغاني التي كان المغني يشدو بها.. لكن مع ذلك غاص المكان تماما في زحام العارضين ( من العرضة) بعضهم يحمل سيوفا وأخرون سياطا.. والبقية يلوحون بأيدهم كأنما يتخيلون السيف أو السوط فيها.. وبعض الشباب الرشيق يتقافزون في الهواء عاليا ثم يهبطون إلى الأرض بحركات متتابعة وهم يجرون في مسار دائري حول المكان..
في لحظة لمحت أحد الشباب يخلع (الجلابية) .. ثم (الفنيلة الداخلية) التي تغطي ظهره ليصبح عاري الصدر والظهر تماما.. ويتقدم إلى وسط الدائرة.. لم تمض دقيقة واحدة.. وكأنما هناك سباق .. حتى بدأ بقية الشباب .. وكلهم من أعمار يافعة.. يخلعون ملابسهم ويربطون (الجلابية) في الخصر ..وتتعري ظهورهم كاملة..
بعض الأمهات.. وربما الآباء المشفقون على أبنائهم بدأوا يدخلون إلى الحلبة ويدفعون أبناءهم -المتعرين- دفعا للخروج من الحلبة.. لكن هيهات .. الشباب يقاومون بشدة ويرفضون الخروج.. تؤازرهم زغاريد النساء اللائي يحطن بالحلبة ويتفرجن على المشهد..
في وسط الحلبة رجل يمسك بالسوط بمنتهي الاشتهاء.. يتقدم إليه الشاب العاري الصدر.. فـ(يركز) أمامه في تحد .. يرفع الرجل السوط عاليا وينزل به على الظهر العاري.. في الحال تندفع الدماء وتسيل على الظهر.. لا يتحرك الشباب ولا (يرمش).. ويظل في مكانه يتلقى الجلد إلى أن يتدخل بعض الواقفين في الحلبة ويدفعونه دفعا للخروج والتوقف علن تلقى (السياط)..
في أقل من عشر دقائق كانت ظهور الشباب تسيل منها الدماء الغزيرة.. أدهشني للغاية أن بعضهم تبدو على ظهورهم العارية أثار (سياط) قديمة.. يبدو أنهم جُلدوا في مناسبة فرح سابقة..
الكبار .. حول الحلبة يبدو أنهم إما فرح سعيد بأن الشباب مثابرون على عاداتهم القديمة.. ويتوارثون (فن الشجاعة).. أو معترضون على التشبث بعادات لا تناسب الزمن..لكن بصراحة الغالبية الكاسحة .. كانوا من النوع الأول..

هناك 7 تعليقات:

صالح يقول...

معذرة يا باشمهندس

اعلم ان قبائل واناس لا زالوا يتمسكون بمثل هذه العادات ولكن مصيرها ان شاء الله للزوال لانها فقط عادة اجتماعية(ومع تقديرنا وكبير احترامنا للاجداد والاباء الذين كانوا يمارسونها ) ولكن هناك طرق اخرى للتعبير عن الشجاعة كما ان الشجاعة والتعبير عنها يكونان في سوح الحرب وليس في مناسبات الافراح والتي من المفترض ان يكون طابعها الفرح وادخال السرور الى النفوس.

هى عادة ليست من الدين في شئ وفيها اضرار بالنفوس و(قد تصل حد ازهاق النفوس)

الشجاعة والقوة هي في تحملنا لمسئولياتنا الشخصية, الاسرية والجماعية

الشجاعة هى التحلي بجميل الاخلاق والصفات وعدم غمط الناس حقوقهم


قد تنتقل بعض الامراض(المنقولة بالدم) من مصاب لسليم بواسطة السوط

(بعدين)يا هندسة الامم والشعوب قوتها بالعلم والعمل وليس بكثرة الغناء والرقص
والله المستعان

نزار تيمة يقول...

لك التحية استاذي
كما نبارك لك زواج بنت اخيكم المصونة . ونتمني ان تزول مثل هذه العادات التي اسبتت انها تضر اكثر مما تنفع مع الأحتفاظ بلعادات السمحة التي عرف بها الشعب السوداني الأصيل . مودتي

غير معرف يقول...

الأخ عثمان،

ألف مبروك لزواج بنتكم و بيت مال و عيال، قد تبدو لنا بعض هذه العادات غريبة و out of date، لكنها عاداتنا وجزء من نسيجنا الإجتماعي... القرن العشرين سلبنا من الكثير من خصالنا يا أستاذ و الألفية الجديدة جاءتنا بالمزيد من التحولات الإجتماعية التي قلبت مجتمعنا إلى "مستهلكي ثقافة غير" و نسخة سيئة التنفيذ من حضارات معاصرة أخرى لا تمت لنا بصلة! الجلد بمناسبات الزواج لا يمثل بأي حال منظر إجتماعي جذاب لكنها عادة سودانية تعكس بعض من خصائصنا و طرق تفكيرنا كسودانيين... فلنحافظ عليها رغم مساوئها و لا ننجرف بالكامل أمام سيل العولمة الثقافي

غير معرف يقول...

So what?

غير معرف يقول...

لقد كادت هذه العادة ان تندثر لولا بعض القنوات الفضائية وسهولة السفر الان وتريف العاصمة .الطريف ان البعض وخارج نطاق اهلنا الجعليين يبدون اعجابهم بهذه العادة بل ان بعضهم يريد ان ينزل الي الركاز والجلد !الامر له علاقة بالدلوكة ونغمتها المميزة!

ابراهيم الصديق يقول...

الاستاذ عثمان: الا تري ان هذا السلوك من العادات الضارة التي يجب ان ننبذها ولا نشجعها. علاوة علي الاذي البدني الجسيم الان هناك خطورة كبيرة جدا لاحتماية انتقال بعض الامراض وعلي راسها فيروس مرض الايدز الذي لا يوجد علاج له. يجب ان نظر للمسألة من كل الجوانب ونبصر الناس بالنتائج المتوقعة. شكرا
ابراهيم

غير معرف يقول...

سلام
الف مبروك والله لو انا كنت في السودان كنت جيتك حتي من غير دعوه
الف مبروك وان شاء الله بيت مال وعيال
نسال الله لهم التوفيق والعيش السعيد