الخميس، 2 يوليو، 2009

هجير العودة 3 يوليو 2009

هذه السطور كتبتها عندما كنت في السنة الأولى بكلية الهندسة.. بعد عودتي من القاهرة إلى قريتي الخليلة في أول عطلة صيفية..!

هجير .. العودة ..!!

وأخيراً عدتُ .. ها أنا ذا ... يحتويني الدعاش العابر في تراخٍ .. أعود إلى الأرض.. إلي قرارة قرارة نفسي .. أحس بأنني صغير .. أكاد اجهش بالبكاء .. تعتصرني الذكرى والسلوى .. وكأن الزمن الآبق الذي خطفني من هنا.. لم يك إلا لحظات حلم تداعى بين يقظة ونوم.. إرتماء في بعض الـ(لا) وعي.. ثم إرتداد لبؤرة الوعي ..
كل شئ هنا يعرفني .. الهواء والأرض و التراب .. حتى الدواب الغادية في الطرقات .. أحس بها كلها تحضتنني .... تستغرق في عبير ثيابي .. عندما كنت أسير علي حافة الجدول المرتفع .. أطل عليَّ عمي مصطفى وهو فوق حماره الأبيض .. ترجل وحياني واحتضنني .. في عينيه كان العمق الآسر للماضي.
صحيح زحف الزمان و افترس الدهر الجامح عفوية الملامح وصفاء الطلعة .. ورسم خطوطه في غير استحياء.. حتي حماره الأبيض رماني بنظرة تلوح لي بالتحيه..
-"خبارك طولت الغيبة كده؟؟ "
رسم عمي مصطفي علامة الإستفهام في أذني .. ودفع إلى وجداني كل الإحساس بعجلة الزمان.. هل فعلاً طالت غيبتي؟. لم أكن أدرك تسابق خطوات الزمن عندما كنت بعيداً عنهم .. في تواتر الأحداث دفنت كل ملامس الزمن ..
- "كيف حالك؟ يا عمي مصطفي؟!" ..رددت علي سؤاله بسؤال ..
- "زي الزفت كل شئ بطال.."
قالها وهو يضغط علي كل حرف ... ثم يلتفت يساراً ليبصق التمباك الذي كانت تفيض به شفته السفلى..
-"و الله يا ولدي أرض الله الواسعة بقت زي خرم الإبره .. نودي راسنا وين ما عارفين"
لم يكن عمي مصطفي في حاجة لمزيد من الأسئلة ... راح يسكب كل الجوي كأنما اختزنه ليملأ به صدر أول من يسأله عن حاله .
" حتي السماء عدم المطر .. الأرض يا ولدي ما بقي فيها طعم .. شيتا زي الصحراء "
ثم إلتفت إليَّ في إستدراك متكلف..
-"إلا قول لي يا ولدي.. أنت جيت إجازة ولا قاعد معانا.."
اخترق السؤال جدار قلبي .. لم أكن مستعدا .. أعابر أنا أم مقيم .. هل جئتُ للأرض ام الناس .. لو كنت عابراً .. فأنا واحد من كثيرين عبروا .. ولو كنت مقيماً .. رموني بتلك النظرات الغريبة .. كمن ينعون فيَّ الطموح و الأمل .
"والله ما عارف يا حاج مصطفي .."
أودعت السر في المجهول .. وأرحت ذهني من عبء الإجابة.. رمقني عم مصطفي من خلف حاجبين نهضا في استدارة على وجه مكدود بالكدر ..
كان في نظرته ينهرني.. يزجرني .. يلهمني الإجابة التي أخشاها ..
حتي الحمار الأبيض رفع رأسه في إستجلاء .. كأنما يقول لي بالسر الذي أعرفه ولا أدركه .. الأرض أم الناس .. " حتى السماء عدم المطر .. و الأرض بقت زي الصحراء" .. في الأرض عشق قديم كنت دفنته فيها قبل سفري.. وفي كل منعرجاتها ذكرى .. تناديني للبقاء .. هنا .. لأتشبث بها كالغريق يقبض علي الطوق .. في الناس .. الإحساس العجيب بالبؤس.. النظرات الحركات واللأ هات .. الملل .. الرتابة .. البطء ..آبار العواطف التي جفت وأصبحتُ لا أرى فيها إلا آثاراً لحنان كان هنا.. ثم هجر ..

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

... و خرج عثمان عقبها من الخليلة بلا عودة إلاّ في إجازات نهاية الأسبوع و العطل الرسمية... هذه حكاية البشرية بأكملها مع الurbanisation منذ قديم الزمان يا أستاذ . الإجابة بنعم أم لا للأرض هو قرار و حق شخصي، من المهم أن يكون لي و لك و لغيرنا الفرصة و الحق في إتخاذ هذا القرار

المشكلة هي أن يعود عثمان يوما للخليلة ليجد أن أراضيها قد تم إستئجارها لمستثمر أجنبي بعمالته و مهندسيه الأجانب لمدّة ستين أو تسعين عاماً لزراعة وقود حيوي كصادر خارجي!!

مجتمعنا الريفي يتفكك بسرعة شديدة يا أستاذ و تحويل أراضيه إلى سلعة بسيطة بواسطة النظام الحالى قد يفيد إقتصاديا لفترة محدودة لكن مساوئة الإجتماعية غير معلومة الأبعاد!!