الأحد، 25 يناير، 2009

25 يناير 2009 - انقاذ الجينات النوبية


(إنقاذ الجينات النوبية)


لو كنت مكان السيد وزير الداخلية ..لأمرت بضرب حصار على أحياء (الكلاكلة).. مثل حصار غزة .. ثم فتحت معبراً واحداً .. مثل معبر "رفح" .. ثم أمرت بجسر جوي لنقلهم إلى أقصى الشمال.. حلفا وعبري والسكوت والمحس ودنقلا.. من حيث أتوا .. ولأطلقت على العملية (إنقاذ الجينات النوبية)!!في كتابه الفخم المصور.. (الفردوس المفقود) .. الذي تكلفت مجموعة دال المعروفة بطباعته ورعايته ثم تدشينه في حفل رنان ليلة الجمعة الماضي.. أبرز الأمريكي الدكتور هيرمان بيل صوراً لمدينة وادي حلفا قبل أن تغرق في بحيرة السد العالي.. الصور لا تحكي مجرد الماضي الوثير الذي كانت تتمتع به حلفا بل عمق الحضارة التي حُظي بها النوبيون في عزلتهم المحفوفة بالصحاري في كنف شريط ضيق على ضفاف النيل.."مجموعة دال" تألقت باختيارها أن تحتفي وتدشن الكتاب في حفل نوبي فني .. في مسرح مدارس (KICS) دعت إليه (من يهمهم الأمر) من النوبيين طبعاً.. وبعض الأجانب من (السودانيين!!) أمثال كاتب هذه السطور .. والجنرال أحمد طه .. ود. عمر محمد خالد.. ورأيت أيضاً د. منصور خالد .. والأستاذ ياسر عرمان .. والسيد جمال الوالي رجل الأعمال المعروف..وغاص المكان بالسحن النوبية التي تظهر واضحة من الجينات الوراثية في مقاطع الوجه قبل تضاريس اللسان.. المظاهرة النوبية تشكلت من ثلاثة أجيال .. الجيل الذي ذاق طعم حلفا الأصيل وعاش فيها ثم تضور عذاباً برحلة الفطام عند التهجير في الستينيات.. ثم الجيل الذي شب على الحياة في المهاجر .. في حلفا الجديدة .. ثم الجيل الذي لم ير إلا (الكلاكلة) لكنه تسامع بحكاوي (حلفا دغيم .. ولا باريس).. و رغم أنهم – الأجيال الثلاثة - رقصوا في الحفل حتى النخاع مع البلابل ثم وردي على ايقاعات النوبة.. إلا أن الجيل الثالث بدأ يفقد نوبية حلفا.. ويكتسب نوبية الخرطوم.. ومن هنا لزمت عملية (إنقاذ الجينات النوبية) ..في الكتاب المصور (الفردوس المفقود) لا تظهر حلفا مجرد مدينة عصرية بمبانيها وفنادقها ومرافقها الأخرى فحسب.. بل تكشف كيف أن الإنتماء الجيني هو حائط الدفاع الأول للمحافظة على الهوية الوطنية.. وتؤكد أن (القبيلة) ليست مجرد غريزة إنتماء ضيق.. بل هي بصمة وراثية تسمح للمضمون الأخلاقي في ضمير الإنسان أن يكتسي بمواد حافظة ضد عوامل التعرية التي تغير الأزمان والإنسان وتجعله مسخاً مشوهاً..واحد من أهم مميزات الإنسان السوداني .. من أقصى نمولي في الجنوب إلى أدنى حلفا في الشمال .. ومن الجنينة غرباً إلى بورتسودان شرقاً.. أنه إنسان محفوف بمواريث ثقافية تربط حياته بحزمة مكونات أخلاقية ومحددات سلوكية.. تحرم عليه العيش في فراغ لا إنتماء فيه.. وأي محاولة للتخلص من هذا الإنتماء الجيني القبلي .. تضرب مباشرة في الترسبات الأخلاقية والسلوكية عن الإنسان السوداني وتحوله إلى مسخ مشوه.. محروم من متعة العيش في كنف الإنتماء..

ليست هناك تعليقات: